التعامل مع قضايا الطلبة وهمومهم، يتطلب مهارة خاصة، وحرفية قد لا تتوافر لدى الكثيرين، إذ أن سبر أغوار النفس البشرية وتلمس احتياجاتها والتعرف على مكنوناتها ورصد مشاكلها وحلها، أمر في غاية الصعوبة، لكنه في الوقت ذاته يُعد بداية للطريق الصحيح، وطوق نجاة أمام كثير من الأبناء لمواصلة حياتهم ومتابعة دراستهم بنجاح، وخاصة من يقعون ضحية المشكلات والظروف الاجتماعية على اختلافها.

فاطمة السجواني موجهة اختصاص نفسي بمنطقة الشارقة التعليمية، واحدة من المشهود لهن بالكفاءة والحرفية في التعامل مع مشكلات الطلبة الاجتماعية وحالاتهم النفسية.. سعت في هذا الحوار إلى تقديم وصفة تربوية للكثير من الحالات التي تشهدها مدارسنا:

 

 

بحكم تعاملك مع العديد من المشكلات والقضايا التربوية، هل تختلف نوعيتها باختلاف طبيعة العصر والبيئة التي يعيشها الطالب؟

يواجه كل إنسان الكثير من المشكلات في حياته اليومية، ولا شك أن جزءاً كبيراً منها يكون نتيجة ضغوط الحياة، والظروف الاجتماعية والبيئية المحيطة بالشخص، فضلاً عن الصراع الدائم بين رغبات الإنسان الذاتية، والقيود التي يفرضها المجتمع، حتى أصبحت هذه المشكلات جزءاً من الحياة اليومية.

ومع تطور العلم، وسيطرة التكنولوجيا على عقول أبنائنا، بما أفرزته من أجهزة حديثة ومتطورة، أصبحت أكثر المشكلات التي تواجه الطالب في المدرسة، هي قلة الدافعية نحو العلم، وعدم الرغبة في الجلوس على مقاعد الدراسة، إلى جانب كثرة الغياب والهروب من الحصص، وضعف التحصيل الدراسي، وخاصة بين الذكور.

أضف إلى ذلك، الشرود الذهني، وأحلام اليقظة عند الإناث. والغريب في الأمر أننا جميعاً شركاء في تحمل مسؤولية هذه المشكلات بنسب متفاوتة، فكيف نطلب تشخيص المرض.. وبين أيادينا العلاج، وأقصد بهذا كل الأطراف المسؤولة وعلى رأسها الأسرة.

وما الحالات النفسية الأكثر شيوعاً التي يعاني منها طلبة مدارسنا؟

لا بد أن نتفق بداية، على أن أغلب الحالات المرضية التي يعاني منها بعض الطلبة، تكون بسبب الظروف الاجتماعية، أو لمشكلات في الأسرة أو لطبيعة البيئة التي يعيش فيها الطالب، وأن الأصل في السلوك، أن يكون إيجابياً، لكنه قد يتحول إلى سلوك سلبي إذا ما تعرض الشخص إلى عوامل خارجية تدفعه عنوة إلى ذلك.

ونستطيع أن نرصد الحالات السلوكية السلبية الأكثر شيوعاً لدى بعض الطلاب والطالبات، على حد سواء، في عدة حالات منها: الإحباط المستمر، والخوف من الفشل، وقلة الثقة بالنفس، والتفكير السلبي، والاستجابة للإثارة والاستفزاز بسرعة، وعدم ضبط الانفعالات وخاصة عند المواقف الحساسة، وغياب الثبات الانفعالي، والتخبط والعشوائية وعدم القدرة على اتخاذ القرار السليم في ما يخص المستقبل العملي أو الأمور الحياتية.

أيهما أكثر مشكلات الطالب أم الطالبة؟ ومن يستجيب للعلاج أكثر؟

لا يختلف الأمر بين هذا وذاك، وإنما الاختلاف يكون في نوع المشكلة ذاتها، فعند الإناث تغلب بعض المشكلات مثل: ضعف الانتباه، والتشتت، والخوف، وتدني تقدير الذات، والخجل، والتعلق العاطفي بالمعلمة، أما عند الذكور فتتسم أغلب الحالات بشيء من العنف مثل: نوبات الغضب، والميل إلى العدوانية، والصحبة السيئة، والعصيان، والعلاقات مع الجنس الآخر، والغش في الامتحانات، والهروب من المدرسة، والفوضوية. وأيضاً يرجع الاختلاف في نوعية المشكلات إلى البيئة التي ينشأ فيها الطالب، وثقافة الأسرة، ووقوع المدرسة في مناطق أقل مستوى من الناحية الاجتماعية والثقافية.

هل هناك حالات مستعصية في مفهوم علم النفس التربوي، لا علاج لها؟

لا توجد حالات مستعصية، فالعلم بشكل عام يتطور، ولكل داء دواء، ولكل حالة طريقة في العلاج. فقط هناك بعض الحالات التي تحتاج إلى استمرارية في المتابعة والعلاج، مع المزيد من الوقت والجهد، أو تتطلب أسلوباً معيناً للتعامل معها إلى أن نصل لحل المشكلة.

ولا بد أيضاً من الإشارة إلى أهمية التعاون بين الأطراف الثلاثة: المعالج، والحالة، والأسرة، حتى تتم المعالجة بطريقة صحيحة. وهناك بعض الحالات النفسية الراجعة إلى الأمراض الذهنية التي ربما تحتاج إلى المزيد من الوقت للعلاج إلى جانب العلاج الدوائي.

ضعف الرقابة الذاتية أو غيابها لدى الطلبة، من المسؤول، وكيف ننميها فيهم؟

عندما يفتقد الأبناء القدوة الصالحة والمثل الأعلى، يصبح من الطبيعي أن تضعف الرقابة الذاتية لديهم، وهنا يظهر دور الأسرة، إذ أن المسؤولية بالدرجة الأولى تقع على عاتق الوالدين، فيجب على الأسرة أن تربي الأبناء على منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية منذ الطفولة، وأن تنمي فيهم الوازع الديني.

وتكرس مفهوم الثواب والعقاب، وتغرس في نفوسهم معنى وجود الله سبحانه وتعالى أينما يكونون، بهدف تنمية وازع الخوف من الله، فإن ذلك من حُسن التعبُّد لله تعالى. أما الاهتمام بظواهر الأُمور على حساب جوهرها فلن يحدث التغيير المطلوب، ولن يقدم حلاً للمشكلة، بل سيزيد الأمر تعقيداً، ولتعزيز الرقابة الذاتية في نفوس أبنائنا ينبغي أن نعودهم على خشية الخالق جل وعلا قبل أي شي.