ما وصل إليه أسلافنا العرب من فنون في تصاريف اللغة وفهم غاياتها أمر يكاد يحير الألباب. فلقد تعدى فهمهم للدور اللفظي لها، ليقتربوا من الفهم الغربي في نظرياته الحداثية عن نظريات الاتصال التي لا تقصر التواصل بين البشر على اللغة اللفظية وحدها، بل تتعداها إلى الرموز والعلامات والسلوك والانفعالات.
فانظر عزيزي الطالب/ عزيزتي الطالبة مثلاً، في هذا النص الذي يثبت ركني نظرية الاتصال اللذين لا تتحقق عملية الاتصال من دون توافرهما، وهما: المرسل والمرسل إليه، جاعلاً منهما دعامتين ضروريتين وفنين لازمين:
قيل: إن بعض القول فن، فاجعل الإصغاء فناً.
وانظر إلى ما عرف بأخلاقيات عملية الاتصال الحديثة في النصين الآتيين:
قيل: احفظ لسانك إلا من أربعة: حق توضحه، وباطل تدحضه، ونعمة تشكرها، وحكمة تظهرها.
وقيل: القلوب أوعية للأسرار والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره.
أما تجاوز رجال اللغة القدامى للمفهوم اللفظي للغة، إلى عد الرموز والإشارات والانفعالات، لغة تعبيرية يمكنها تحقيق التواصل الأمثل بين البشر، فيوضحها قولهم: الابتسامة كلمة معروف من غير حروف.
فروق لغوية
في الاستعمال اللغوي ثمة فروق دقيقة كما علمنا، تدل على دقة العقل الذي كان وراءها. ومنها:
الفرق بين الغَسْلُ والغَسيل: الغَسلَ هو مهنة غسلِ الثياب، والغَسيلُ هو المغسول من الثياب.
دقائق لغوية
نقول للرجل إذا مات فجأة: فاظت نفسه.
ونقول له إذا مات بعد الهَرَم: قضى نحبه.
ونقول له إذا مات من غير قتل (ميتة طبيعية): مات حَتْفَ أنفه.
ونقول له إذا مات في سجنه: مات صبراً.
مواقف
قيل: من استخف بالعلماء أضاع دينه، ومن استخف بأولي الأمر أضاع دنياه، ومن استخف بالأخوان أضاع مروءته.
وقيل: من تكلم عن نفسه بما يحب، تكلم الناس عنه بما يكره.
وقيل: تعلّم من الزهرة البشاشة، ومن الحمامة الوداعة، ومن النحلة النظام، ومن النملة العمل، ومن الديك النهوض باكراً.
فوائد لغوية
يخطئ كثير منا في قراءة المثل المشهور، فيقول: أسمع جَعْجَعةً ولا أرى طَحْناً (بفتح الطاء)، والصواب أن يُقال: أسمع جَعْجَعةً ولا أرى طِحْناً (بكسر الطاء) التي تعني الطحين هنا. والمثل يطلق لمن يكثر من الكلام والوعود من دون تنفيذ شيء منهما. فالقصد من التشبيه غياب الطحين أي الفعل، وليس حركة الطحن.
يستخدم بعض إخواننا العرب لفظ (الطُّوب) في لغتهم الدارجة، وهي كلمة فصيحة تعني: الآجر (الطابوق) ومفردها (طوبة).
