يقول زهير بن أبي سلمى:
ومنْ لا يصانْع في أمور كثيرةٍ يُضرّسْ بأنيابٍ ويوطَأ بمنسمِ
يبدو زهير بن أبي سُلمى خلافاً لشعراء آخرين متشائماً في منظوره للحياة، إذ يرى الشرّ غالباً على الخير فيها، حتى أن لا مكان للإنسان الصادق فيها، ولا نجاح أو توفيق له مع أناس العالم. لذا تأتي حكمته هنا، لتقول لنا، إننا مضطرون إذا ما أردنا العيش بسلام أن نلجأ إلى المجاملة وإخفاء مواقفنا التي لا تُرضي الآخرين، لئلا تكون نهايتنا مأساوية بأنياب وحوش البشر وأقدامهم، هؤلاء الذين بدوا أشبه بحيوانات الغاب.
ولعل شاعرنا يتفق مع شاعر آخر هو الطغرائي الذي يدعونا إلى ألا نحسن الظن كثيراً بالأيام، كي لا نركن إلى الاطمئنان، فيصيبنا العجز من جراء حسن ظننا بالأيام. وهو ينصحنا بأن نفترض الشر دوماً في ما تخبئه لنا هذه الأيام، كي نكون على حذر وحيطة، تؤمن لنا توقع ما يمكن أن يحدث، من دون أن تفاجئنا بما تحمله، حيث يقول:
وحُسنُ ظنكَ بالأيام مَعجَزة فظنّ شراً وكن منها على وجلِ
ومن حق الشاعر بالطبع أن يلجأ إلى التعبير عن مواقفه وآرائه، بالصورة والخيال، لكن من حقنا أن نخالفه في الرأي وأن نرى في ما يقول مبالغة، ربما أنتجتها ظروفه الخاصة، وأن ننبه الشاعر إلى أننا لا نستطيع العيش بلا أمل وتفاؤل، لأن ذلك هو الذي يحيلنا إلى العجز واليأس المحبط. لكن من الغريب أن الطغرائي نفسه هو من يعبر عن أمله وتفاؤله في القصيدة نفسها، إذ يقول:
أعللُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها ما أضيقَ العيش لولا فُسحَة الأملِ
أو قول شاعر آخر لم يشأ أن يستسلم للظروف، مفضلاً خيار المقاومة:
لأسْتَسهلنًّ الصعبَ أو أُدركُ المنى فما انقادت الآمالُ إلا لصابرِ
مواقف
من جميل ما حفظه لنا التراث العربي تلك النصوص التي وصفت لنا الدنيا وصفاً، فيه من الحكمة والخبرة والإحاطة الكثير الذي يمكن لأبناء العربية أن يفخروا به، ويستمدوا منه الخبرة والبصيرة. ويكفي أن نقف على نصين من هذه النصوص المبدعة:
طلب رجل من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن يصف له الدنيا، فقال: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن.
وصف ابن السماك الحياة قائلاً: طاعمها لا يشبع، وشاربها لا يروى والناظر إليها لا يمل، ولم نرَ شيئاً أعجب منها ومن أهلها، يطلبها مَن هو على يقين من فراقها، ويركن إليها من لا يَشك أنه راحل عنها، ويعتصم بحبلها من هو على عجلة من أمره.
فوائد لغوية
٪ : : .
٪ : ( ) : ( ) .
