أحزنني مشهد ذلك الطفل الأصم وهو يبث حزنه ويشكو حال يومه مع الناس، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، كل همه وشوقه فقط أن يسمع صوت الأذان والإمام عندما يقف بين صفوف المصلين، وأن يسمع أيضاً صوت أمه، لكنه ورغم ذلك كله، فهو يصر على مواصلة حياته فاقداً السمع والنطق.
أما أنا، فقد توقفت طويلاً، ولم أستطع التفكير سوى في حال ذلك الطفل، لم تكن الإعاقة تمنعه من ممارسة حياته الطبيعة، لكن شوقه النبيل ذلك، أشعل براكين ثائرة مدفونة في طيات نفسه.
أعبر عن أسفي الشديد لكل من وضعوا تحت مسمى «الإعاقة» أو أي مسمى آخر نُسب إليهم دون أخذ إذنهم أو استشارتهم في أمر يتعلق بهم.. عذراً، فأنتم أرواح جميلة لا تستحقون كلمة معاق.
يخجلني شعوري وشعور كل من لم يفهم تلك الأرواح النقية، ويصدمني أكثر كل من أصر على ترديد تلك الألقاب بدافع التمييز والتفريق. فأنا لا أرى ذلك الاختلاف أبداً، هل هو بفقدان بصر أو عضو أو إحساس ما، أو غير ذلك؟ فكثير ممن يعيشون حياتهم الطبيعية ربما تنقلب حياتهم بفعل حادث مأساوي، فيصبحوا «معاقين»، فهل أصبحت المسميات تتلاعب بنا كيفما تشاء وتحكم على من تشاء وفي أي وقت أردناه، فمن نحن لنتولى تلك المهمة؟
هؤلاء الطامحون والحالمون، أثبتوا أنفسهم بجدارة لا مثيل لها، بالرغم من التحديات المختلفة، في حين أثبتنا نحن لأنفسنا أن تفكيرنا الرجعي هو المعاق الأول والأخير.
لماذا يرفض البعض فكرة دمجهم معنا، في المدارس والجامعات والعمل وغيرها من الميادين المختلفة؟ هل نخاف من تفوقهم الذي يعجزنا ويربكنا؟ هل نجاحهم دليل على قوة ضعفنا أم شجاعة خوفنا الذي بات واضحاً في تلك الألقاب والمسميات، أم هو الجهد الذي سنبذله في كيفية التعامل معهم. للأسف تلك العقول الفارغة سبقت في الحكم عليهم قبل أن تتعرف إليهم.
عليكم أن تكتشفوا العالم الذي يعيشون فيه وتتلذذوا بطعم التعامل معهم.. كن جزءاً من أهم الأحداث لديهم، تعلم أسلوب حياتهم وتحاور معهم، صادقهم، وكن أحد المقربين إليهم، لا تصنع حاجزاً يميزك عنهم، ولا تشعرهم بالشفقة أو بحاجتهم إليك. لتكن نيتك خالصة لله وافتح قلبك ليتعرف نوعاً جديداً من الحب جديراً بالاحتفاظ به.
نحن نحتاج كثيراً إلى تلك الأرواح الجميلة.. يسعدني ويسعدهم كل من يخصص الوقت والنفس والعطاء لهم. أشكر كل الأيادي والقلوب المضاءة بصور إخواننا وأخواتنا الأسوياء، وأشكر الذين ساهموا في إنارة الطريق لهم، وأعلوا مكانتهم السامية التي لا تتوقف عن الصعود لتثبت للجميع، وبكل جدارة، استحقاقهم المركز الأول في كل شيء.
عذراً مرة أخرى، فأنتم بمنتهى الروعة.
