طلبت المخابرات المصرية في عهد أنور السادات، من الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، ألاّ يكتب في السياسة، ضحك الشاعر وهو يسرد القصة، خلال ندوة في دبي قائلاً: ( هو في عندنا شي غير السياسة)، وضجت القاعة بجمهورها، ضحكاً وتصفيقاً، لأنهم يدركون أن السياسة هي خبزهم اليومي، وكأن المخابرات آنذاك، طلبت من الشاعر أن يتوقف عن تناول الطعام.

حادثة بسيطة تعود إلى أكثر من ثلاثين سنة، ولكنها حاضرة اليوم بقوة، في ظل تنامي الثورات وتفتح أزهار الربيع في عقول الناس، وحيث تتخوف النظم الاستبدادية من الثقافة، حينما تستحوذ على أذهان الجماهير، وتتحول إلى قوة مادية، لها التأثير في التحولات الجارية، يصبح لزاماً على المثقف أن يتخذ موقفاً واضحاً مما يجري حوله، وما يجري لأهله ووطنه، لا أن يقف متفرجاً وكأنه في قاعة سينما يغادرها مع كلمة النهاية.

المثقفون الذين يقفون في مشهد المتفرج على ثوراتهم، لا يستحقون لقب مثقف، بل أفضل لقب يطلق عليهم (المتكلسون)، حيث لا تعود تنفعهم أفكارهم ولا جمهور ينظر إليهم بتقدير، والتاريخ سيذكرهم بمزيد من الخجل، بينما عربة الثورات تمضي قدماً إلى الغد. وحدهم الذين يدركون قــوة المستقبــل يعرفون الطريق إليه، وهم غالباً ليسوا أبناء بنية ثقافية أو حزبية أو صبغة فكرية معينة، إنهم بسطاء لدرجة الفقر، يستحقون المؤازرة ويستحقون وقفة أكثر من المشاهدة السينمائية.

يشعر المرء بالأسف الشديد لأن عدداً كبيراً من المثقفين اتخذوا موقف المحايد مما يجري في بلدانهم، وكانوا في لا مبالاة مفرطة، ظناً منهم أن الثورات تشبه الزوابع في الفناجين، وراحوا يعيشون حالة (مثقف مع وقف التنفيذ). وكأنهم يتمثلون الطلب الاستخباراتي ألاّ يكتبوا في السياسة، لأن الشرطي الجالس في رؤوسهم يراقبهم. لم يدركوا أن أولى الثورات تبدأ بالتمرد على الشرطي القابع في دواخلهم، ثورة الإرادة ضد الخوف، ثورة الشجاعة ضد الترهيب والإهانة.

أهم إنجاز للثورة أنها كشفت عن انبثاق نخب جديدة تشكلت خارج نسق النماذج القائمة، تشتغل بأدوات جديدة، متحررة من النموذج المألوف للمثقف المهادن الذي دجنته السلطات ليبرر أفعالها، وحل محله مثقف أكثر حرية وشجاعة، يعرف أن جلاده يخاف منه، كما يعرف أن كلمته أقوى من الرصاص، لأن الرصاصة قاتلة، لكن الكلمة تحيا وتضييء الطريق.