أشهر النساء في عالم الفن: "الموناليزا"، اللوحة المعلقة في إحدى قاعات متحف اللوفــــر في باريس، حيث يقف أمامهــــا المعجبون القادمون من جميع أنحاء الأرض، ليتأملوا تلك الابتسامة المحيرة، و"الموناليــــزا" التي رسمها ليونـــــاردو دافنشـــي فنان عصر النهضـــــة الإيطالي، هي الزوجـــة الثالثة لفرانسيسكو جيوكوندو، أحد أعيان فلورنسا، في تلك الفترة.

ويقول المؤرخ فاساري، في هذا الخصوص، ان دافنشي كان يستأجــــر فرقة من الموسيقيين ليعـــزفوا ويغنــــوا لها أثناء جلوسها أمامه، وهو يرســـم صورتها، حتى لا تفــــارق وجهها تلك الابتسامة التي خلدتها فرشاته. ولذلك دار الهمـــس حول علاقـــة الفنان الوسيم بصاحبة الوجـــه الجميل، وذلك خصوصا انه أطــــال فترة رسم اللوحة الى الأربع سنوات، ليأخذ دافنشي فيما بعد، عمله هذا، ويذهب إلى فرنسا.

 

نساء بيكاسو

تمثل قصة الموناليزا ودافنشي، واحدة من قصص كثيرة كانت وراء إبداع فنان من الفنانين الذين كثيرا ما ارتبط إبداعهم، الذي تظهر فيه إحدى النساء، بامرأة حقيقية مرت في حياتهم، ألهمتهم فبددوها إبداعا. وقد قال الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، ذات مرة:

"المرأة عود ثقاب يشعل رغبتي في الرسم أريدها دائمة الحضور، متجددة، ونارها لا تنطفئ". وبقيت المرأة فعلا محركا لريشة هذا الفنان الذي منح العالم إحساس القرن العشرين، ولكن بيكاسو لم يكتف بامرأة واحدة، إذ كان يمل ويضجر، فيسعى إلى التجديد والتغيير، وذلك في علاقاته النسوية كما في لوحاته.

فالمرأة التي يخوض المعارك من أجل الحصول عليها، هي نفسها التي يتعامل معها فيما بعد، على أنها شيء تم استهلاكه، وهكذا تبدو علاقة بيكاسو الموزعة بين الشغف والامتلاك، بين الجنون والمزاجية، وصولا إلى الرفض أو إلى الإهمال، وكان بيكاسو مربكا للمرأة دائما، سواء في حالة سيطرته عليها، أو في إدراك ضعفه الذي يظهر فجأة.

وإذا هربت منه يلحق بها مثل طفل يركض وراء أمه، طالبا الرضى والصفح. وهذه النقطة كانت واضحة تماما في كتاب "حياتي مع بيكاسو" لمؤلفته فرانسواز جيلو (إحدى حبيبات بيكاسو)، التي فهمت هذه المعادلة، وكانت أكثر من كارثة بالنسبة لبيكاسو، فقد هجرته وسط استهجانه وغضبه، وقوله الممتلئ بالغرور:

"لا تستطيع امرأة أن تهجرني، أنا أقرر هجرها". ولكن جيلو فعلتها وكتبت مذكراتها معه. ومن ثم اتصل بها بيكاسو، مهنئا ومباركا لها بهذا الإصدار، بعد ان كان خسر الدعوى القانونية التي رفعها ضد جيلو، لمقاضاتها بشأن ذلك الكتاب.

وقبل فرانسواز كانت هناك نساء كثيرات خلدهن بيكاسو في ريشته، ومنهن: دورا مــار، فرانســـواز، جينياف. ووصولاً إلى جاكليــن، وإضافة إلى ذلك هنـــاك امرأتان تزوجهما، هما: أولغـــا وجاكلين روك. وكان قد تـــزوج الاخيرة، بعد فرانسواز، وبقيت معه طوال حياته، إذ تمتعت بالجمال والأنوثة والبساطة والقدرة على تحريك مخيلة بيكاسو.

وكذلك دفعه إلى المزيد من الخلق والإبداع، فقد وقفت أمامه كنموذج باهر، قبل أن تصبح الزوجة الثانيــة، ومن ثم ليخلدها فنا بعد أن صبـــغ وجهـــها بكل الألوان، وتباهى بإبراز حبه لها، ولهذا تكرر وجودها في لوحاته، بإيحاءات مختلفة.

 

زوجة دالي

ظهرت كثيرا في لوحات الفنان الإسباني سلفادور دالي، رسومات لزوجته جالا، ولكن القليل من الناس من يعرف أنها هي زوجته التي أوحت إليه بالكــثير، وجالا هو الاسم الأخير لها:

إيلينا ديماكونوفا جالا، وهي فتاة روسية جاءت إلى فرنسا بمفردها في العام 1913. ولم تتجاوز حينها التاسعة عشرة من عمرها، فأقامت في مصح للمعالجة من مرض السل، وبعد أربعة أعوام التقت الشاعر بول إيلوار وتزوجت به ونذرت نفسها له، حتى وقعت في غرام الفنان ماكس أرنست، إلى أن ارتبطت حياتها بحياة دالي منذ العام 1929 .

وكانت تكبره بأكثر من عشر سنوات، وظهر تأثيرها الواضح عليه وعلى أعماله الفنية، لأنها كانت حريصة على منع تخيلاته المتطرفة في الحياة والفن، من أن تصبح حالة مرضية. وهذا الحرص الدائم كان سببا في الجاذبية المتصاعدة والمستمرة بينهمـــا، إلى درجـــة أن دالـــي كان يوقــــع على بعض لوحاتـــه باسمه واســـم جالا معا. وكان يكرر فكرته عن ارتباط اسم جالا بالعبقرية: "إن كل رسم جيد يريد أن يكون مبدعا وينجز لوحات رائعة، عليــــه أولاً ان يتزوج زوجتي".

ويرجع البعـــض هذا التعلــــق إلى أن أم دالي قد توفيت عام 1921، وكان عمـــره 16 عاما، وعلــــق على موتهــــا فيما بعد: "انها الصدمة الأعظم في حياتي. ولهذا وجد المحللون أن ارتباط دالي بجالا وحبه لها، من الممكن أن يكون تعويضا عن فقدانه أمه، وأنها تمثل له الزوجة- الأم، بشكل واضح.

ولم يقتصر دور جالا على أن تكون ملهمة دالي، بل تحولت مع الوقت إلى مديرة علاقاته العامة والمسؤولة عن تسويق منتجات دالي الذي كان يقول عادة :"السريالية هي أنا". وبدوره كان دالي يتعلم كيفية استغلال فضائحه في مشاريع تجارية مربحة. حتى ولو كانت جالا بالنسبة للكثيرين، هي القوة التي تقف وراء نجاحه، بل هي من سهلت له الدخول إلى المجتمع الباريسي، وعملت بلا كلل لترويج أعماله.

حكمت ومنور

أما الشاعر التركي ناظم حكمت، فقد كتب أجمل قصائد الحب في زوجته منور، عندما كان في السجن. وقد قال يناجيها باسمها واصفا حالاته: "أنا يا منور لا أعلم عدد الذين يعيشون معي في نفس البناء/ أنا وحدي بعيد عنهم/ وهم جميعا بعيدون عني/ ولا يسمح لي بالتكلم إلا مع نفسي".

ولكن عندما خرج حكمت من السجن لم يبقَ طويلاً حتى طلق امرأته، وانفصل عنها إلى الأبد. ويفسر البعض هذه الحالة: "عندما يحصل الإنسان على ما يريده يصبح عاديا". وبقي الشعر يخلد حالات الحب، سواء كشف الشاعر عن اسم محبوبته أو لم يكشف.

 

أسطورة النحات بجماليون

للنحات بجماليـــون قصــة مختلفة، فهو كما تقول الأسطورة أوجــــد المرأة المخيلـــة ومن ثـــــم أحبها، عكس ما يحدث في الواقع، وبجماليون الذي كان يعيش في قبرص، كان موهوبـــــا ولم يصــــل الى مستوى عبقريته أي إنسان في زمنه، وكان يكره النساء، ويرى أنهن وراء كل الكوارث.

لذا قطع على نفسه عهدا بألا يتزوج، ولكنه بالمقابل صنع تمثالاً لاـــمرأة فائقة الجمال، بل هي أجمل من أي امرأة، لدرجة أن بجماليون كان يخاطب تمثاله : "كنت جميلة لكنك الآن أجمل، وكنت رائعة وأصبحت الآن أروع".

ولكن بجماليون أصابه ما لــــم يخطــــر في بالـــــه، فقد أحب تمثاله حبا شديدا، وأصبــح لا يقـــدر على فراقه لحظة واحدة، وكان يتخيله امرأة حقيقية، ولكن عبثا حاول بعث الحياة في شيء ميت، فــــأدرك أنه لن يقــــدر الاستمرار في هذا الوهم، وهو ما جعله يتحول إلى ضحية تستحق الرثاء.

وكانت فينوس آلهة الحب على علم بما يحدث، فقررت أن تساعده، وفي عيد فينوس شارك بجماليون للمرة الاولى. وقدم الهدايا الثمينة التي تليق بمقام فينوس التي أصبحت آخر رجاء له. وفي المعبد كان يناجي فينوس، لتجمعه بامرأة تشبه تمثاله، ولما عاد إلى منزله، وجد حبيبته واقفة على منصتها فنظــر إليها نظرة طويلة، وفهم أن فينوس استجابت لتوسلاته، وحدثت المعجزة.

ومن هذه الأسطورة الإغريقية، استمد الكاتب والفيلسوف الايرلندي الساخر جورج برنارد شو فكرة إحدى مسرحياته، في بدايات القرن العشرين.