حياة الإنسان، كل إنسان، محكومة بالولادة والموت. والمؤرخ والأستاذ الجامعي الفرنسي ايمانويل دو وارسكييل، اختار لكتابه الأخير "بين شاطئين"، موضوع اللحظات الأخيرة بالنسبة لعدد من الكتاب والمبدعين، المقرّبين منه.. اختار إذن الحديث عن تلك اللحظات التي ينتقل فيها الإنسان إلى العالم الآخر. وعلى ضوء تلك اللحظات، يستعرض المؤلف حياة وشخصية أولئك الذين اختارهم، مثل: جيرار دو نرفال وبنجامـــان كونستان وبول ليوتار، وأيضا ستيفان زفايغ وروبرت برازيلاك وجوليان غراك.
"يموت المرء كما يعيش".. إذا كان الواقع لا يبرهن دائما على صحة مثل هذا القول، فإن ما يكتبه ايمانويل دو وارسكييل ينطبق كثيرا على نهاية الروائي الكبير ستيفان زفايغ الذي انتحر مع زوجته في البرازيل، واضعا بذلك حدا لـ"المعنى التراجيدي الذي عرفه مسار حياته". .
وهذا ما يعبّر عنه المؤلف: "لم تكن حياته كلها سوى عملية هرب مستمر من فيينا إلى عمق أعماق البرازيل". ومسيرة الهرب تلك، عرفت نهايتها يوم 22 فبراير من عام 1942. وكانت "الرحلة الأخيرة"، مثل ما يقول عنوان الفصل المكرّس له.
كان ستيفان زفايغ آنذاك، أحد أشهر الكتّاب في العالم، وكانت أعماله من بين الأكثر قراءة. وتجرّع السم القاتل مع زوجته، احتجاجا على الحرب العالمية الثانية. وكان قد سبقه للانتحار بعض أصدقائه، من بينهم:
ارنست تولر، والتر بنجامان. وكان زفايغ قد هرب من فيينـــا إلى لندن فنيويورك فالبرازيل، حيث بدا له أن المـــوت هـــو "الملجأ الوحيد الممكن".. والخدم هم الذين وجدوا جثّة زفايغ وزوجته لوت، في اليوم التالي لانتحارهما. كانت يداهما متشابكتين. وكان الكاتب الكبير قد وجّه عددا من رسائل "الوداع" لأصدقائه المقرّبين، ذلك بالإضافة إلى بيان موجه للعموم باللغة الألمانية، وكلمة اعتـــذار لصاحبــــة المنزل الـــذي كان يسكنه، مع مبلـــغ من المـــال كتعويض عن الخسائر.
وأما جيرار دونرفال، فتوفي وهو في السابعة والأربعين من عمره، إذ علّق نفسه بعارضة أحد النوافذ في حي في وسط باريس. وكان ذلك في يوم ثلجي شديد البرودة. واكتشفوه ميتا يوم 16 يناير من عام 1588. وهكذا وضع حدا وكأنه كان يعرف باستمرار وجهته النهائية، والمآل يشابه تماما ذلك الذي وصل إليه بنجامان كونستان، الذي وضع حدا لـ"مسرحية الحياة".
إن السمة الجامعة للكتّاب الذين يتحدث المؤلف عن لحظاتهم الأخيرة في الحياة، تكمن في كونهم عرفوا كيف يتعاملوا مع الحدود التي تفصل الحياة عن الموت، والماضي عن الحاضر. وهم جميعا من المبدعين الكبار الذين عاشوا مع القلم والحلم. ووصلوا إلى "لحظة خاصة" من وجودهم مالوا فيها نحو القبر.
إن التسلسل الوحيد الذي يعتمده المؤلف في تعرّضه لـ"الأدباء في لحظة الموت"، يخضع، إلى حد كبير، لمدى إحساسه بقربهم منه.. وهكذا يتحدث أولا عن بول ليوتار الذي شاخ وحيدا، بعد أن فقد بصره بشكل كامل تقريبا.. كان فريسة حزن رجل يحلم أيضا بالحب، من دون أن يستطيع تأمّل تحقيق ذلك.
ويرى المؤلف أن الكلمة الأخيرة التي قالها ليوتار، تشابهه إلى حد كبير، إذ جاء فيها : "الآن، اتركوني بسلام".
ومن الفصول الأكثر إثارة للمشاعر، ضمن الكتاب، ذلك الذي يكرّسه المؤلف لكاتبين غير معروفين كثيرا، وهما: جاك فاشيه وجاك ريغو، اللذين كانا بمثابة "وعود أدبية". لكنهما عاشا بمرارة الحرب العالمية الأولى 1914-1918. فأمام تلك الحرب استبدت فيهما نزعة عدمية. وهكذا توفي فاشيه بسبب "جرعة زائدة من الافيون" وهو في عمر ال 24 سنة. كما توفي ريغو وهو في الحادية والثلاثين من العمر، جراء رصاصة أطلقها على رأسه.
وبالنسبة لموت الكاتب روبير برازيللاك، فيرى المؤلف أنه لم يستطع أبدا قبول "الخروج من مملكة الطفولة". وهكذا دفعه انبهاره بالنازية إلى التعامل معها، وبالتالي، نحو موته المعلن رميا بالرصاص. . كان الموت بالنسبة له نوعا من "الوطن الحقيقي لأصحاب الأفكار الثابتة بعناد". لكنه لم يتردد يوم إعدامه يوم 6 فبراير من عام 1945 أن يطلق صرخته النهائية قائلا "عاشت فرنسا".
واما جوليان غراك، فتوفي في السابعة والتسعين من عمره، وكان أحد كبار كتاب فرنسا، ومن القلائل الذين جمعت أعمالهم في طبعة "بلياد" الشهيرة، أثناء حياتهم.
الكتاب: بين شاطئين
تأليف: ايمانويل دو وارسكييل
الناشر: ايكونوكلاست - باريس- 2012
الصفحات: 331 صفحة
القطع: المتوسط
Entre deux rives
Emmanuel De Waresquiel
LصIconoclaste - Paris- 2012
331 .p

