يشتمل كتاب" الغربال"، للأديب اللبناني الراحل، ميخائيل نعيمة، على دراسات فكرية نقدية متخصصة وشاملة، تعنى بتفكيك وتشريح ألوان الفنون الإبداعية العربية. ويقول عباس محمود العقاد في مقدمة الطبعة الأولى 1923 م: "صفاء في الذهن، واستقامة في النقد، وغيرة على الإصلاح، وفهم لوظيفة الأدب، وقبس من الفلسفة، ولذعة من التهكم، ..

في هذا الغربال الذي يطل القارئ من خلاله على كثير من الطرائف البارعة والحقائق القيمة. أسلمنيه ناشره الأديب، عشية سفري إلى أسوان، فاغتبطت بالهدية وشكرتها للمؤلف والناشر، لأنها متعة من القراءة الطريفة، أتزود بها في هده الرحلة، ولأنها من الوجهة الأخرى دليل من دلائل القرابة الفكرية ووثيقة نسب جديد من انساب الأدب .

وأي شيء أدل على قرابة الفكر وأبين عن عروقها الممتدة وأرحامها المؤلفة، من كتاب تخطر معانيه وتصاغ عباراته في نيويورك، تحت سماء القارة الأميركية، ثم تكتب مقدمته في أسوان تحت سماء القارة الإفريقية ؟؟ فهذا ما ليس يصنعه إلا الفكر، ذلك الجوهر الخالد الذي لا مكان له ولا زمان والذي لا قرابة أقرب منه بين إنسان وإنسان".

بينما يرى فيصل دراج في مقدمة طبعة الدوحة للكتاب (2012م)، أن ميخائيل نعيمة الذي استهل كتابه بمقال عنوانه الغربلة، يساوي بين النقد والغربلة، ويوكل إلى النقد ثلاث وظائف: التمييز بين العمومية اللفظية البعيدة عن التحديد والمعايير الأدبية الواضحة، الفصل بين ماض رحل وانتهت مواضيعه، وحاضر له مواضيع مرتبطة به، وأخيراً إقامة الفرق بين الإبداع المنطلق من فردية فاعلة والتقليد الذي يذيب الفرد في جماعة سبقته. فقد جاء في الغربال: "فالناقد الذي ينتشلنا من خرافات أمسنا وترهات يومنا، والذي يضع لنا اليوم محجة لندركها في الغد هو الرائد الذي سنتبعه، والحادي الذي سنسير على حدوده.

وعلى هذا فإن النقد، أو الغربلة، فعل ريادي يجمع بين المعرفة والفردية المتمردة، واقتراح تأسيسي أفقه المستقبل لا الماضي، وهو، في الحالين، انعكاس لضرورة اجتماعية لا يمكن تجاهلها. لذلك الغربلة سنة من السنن التي تقوم بها الطبيعة، وهي سنة الطبيعة وسنة البشر الذين هم بعض من الطبيعة".

ونجد نعيمة يتساءل في كتابه عما إذا كانت اللغة في خدمة الإنسان أم الإنسان في خدمة اللغة؟ وما الذي يطور اللغة ويربطها بالحياة أو يحول دون تطورها ويدعها مستقرة ساكنة؟ وهل تمتثل اللغة إلى القواميس؟ أم أن في تنوع حياة البشر ما يغيرها بطرق مختلفة؟

ويؤكد نعيمة أن اللغة معطى إنساني.. مبينا أن حاجات الفكر المغلق، التي تلبي مجتمعاً بسيطاً، تختلف عن حاجات فكر مفتوح لا يكف عن التجدد. لذلك يبدو الإنسان، في الحالة الأولى، أداة للغة، تستعمله ولا يستعملها، ما دامت حاجات أسلافه وأفكارهم تتناسل فيه، بينما تكون اللغة، في الحالة الثانية، أداة للإنسان تعيش حياته اليومية ويعيشها في حياته المحتشدة بظواهر مختلفة. فلا وجود للغة خارج استعمالاتها الحياتية.

ويسوق نعيمة حديثاً واضحاً كفاحياً، عن لغة الحياة وحياة اللغة، إذ في الأولى مكان لعوالم الروح والجسد والعقل والتفاعل الاجتماعي ومكان للمرئي ولما لا يرى أيضاً. وفي الثانية آماد للشعر والنثر والفلسفة وميادين الاختصاص ومكان للغة العامية التي لا يحاصرها أحد.

ويدعو صاحب الغربال إلى لغة عربية حية، تنفتح على واقعها المعيش وعلى الأزمنة الحديثة، التي تعلي من شأن التجربة والاختبار، مطالباً العرب بالاندراج في العالم الذي يعيشون فيه، أو الرحيل عنه. غير أن هذا العالم، المتبدل المتحول المغير، الذي طالب ميخائيل نعيمة بالاندراج فيه، ينفتح على العرب، بمشيئة منهم أو من دونها، فارضاً عليهم ثقافاته ولغاته وأنماط استهلاكه.

وطالباً منهم أن يعوا موقعهم منه، وأن يعوا وضع لغتهم، التي تفعل فيها مؤثرات كثيرة. وبسبب هذا التأثير ينتقل موضوع نعيمة، ولو بشكل نسبي، من سؤال اللغة العربية الحية التي تمتثل إلى سلطة الحياة، إلى سؤال اللغة العربية المثقفة التي تحافظ على هويتها في مواجهة لغات أكثر سلطة.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: الغربال

تأليف: ميخائيل نعيمة

تقديم : فيصل دراج

الناشر: مجلة الدوحة وزارة الثقافة والفنون والتراث قطر 2012

الصفحات: 280 صفحة

القطع: المتوسط