كثيرة هي الكتب التي جعلت من الحرب العالمية الثانية 1939 ــ 1945 موضوعـــا لهـــا. ولكن تمت دراستها بصورة جزئية، ومن زاوية النظـــر الأوروبية، غالبا. ولعلّ كتاب المؤرخ البريطانـــي، والضابـــط السابق، انتونـــي بيفور، الذي كرّس بحوثه كلهـــا لهذه الحرب، يسد ثغرة كبيرة، إذ إنه يقدم الحرب العالمية الثانية، بصورتها الكاملة. ذلك باعتبار أنها بدأت في شهر أغسطس من عام 1939، على تخوم "مندشوريا" في آسيا، وانتهت بعد ست سنوات بالتمام والكمال، مع الغزو السوفييتي لشمال الصين.
يؤكد المؤلف، وبحكم طبيعة الحالات التي عرفتها الحرب تلك، وما اتخذ من قرارات عسكرية، وترتب عليها من مآس إنسانية، أنها شكلت "فترة استثنائية في التاريخ"، ذلك بما طرحته من معضلات على القادة، كما على البشر العاديين. وقدّمت الحرب العالمية الثانية، كما يصفها بيفور، أمثلة صارخة على المجازر الجماعية وفساد السلطة السياسية والنفاق الإيديولوجي والأنانية لدى القيادات، وكذا الخيانات والتضحية بالذات.
الرقم الذي يقدمه مؤلف الكتاب لعدد ضحايا الحرب العالمية الثانية، هو 60 مليون إنسان. ذلك أنها لم تكن مجرد معارك بين دولة وأخرى، ولكنها كانت مجموعة كبيرة من المعارك، في الوقت نفسه. ويرى المؤلف أنه كان هناك تداخل كبير بين ما جرى على الجبهة الشرقية وفي منطقة النورماندي الفرنسية، وفي المحيط الهادئ وعلى الجبهة الصينية ــ اليابانية. ويقدّم المؤلف مثالا على عالمية الحرب العالمية الثانية، وعدم قدرة الأفراد أن يمتلكوا السيطرة على مصيرهم، في ذلك الجندي الكوري الذي يبدأ الكتاب بالحديث عنه، والذي كان قد عرف الحرب على عدّة جبهات، وفي إطار جيوش تنتمي إلى المعسكرين المتحاربين، الحلفاء والمحور.
ويشير المؤلف إلى أن الحرب لم تبدأ في القارة الأوروبية مع الغزو الألماني لبولندة، كما يقال عامة، بل إنها قامت في آسيا، وتحديدا في مندشوريا، قبل شهر من ذلك الغزو، أي في شهر يوليو من عام 1939.
وتتم الإشارة إلى أن معركة "خالخين غول" التي انتصر فيها الجيش السوفييتي، بقيادة المارشال جوكوف، لم تكن بحد ذاتها، معركة مهمة جدا، ولكنها كانت مع ذلك، حاسمة في تحديد مسار الحرب. ذلك أن اليابانييـــن كانوا قد قرروا مهاجمة روسيا. وبعد هزيمتهم أمام الجيش الأحمر في تلك المعركة، فضّلوا التوجه نحو الجنوب، حيث الممتلكــــات الفرنسيـــة والانجليزيـــة، ونحو الصين.
وفي معـــرض الحديث عن ألمانيا، يحدد المؤلف القول إن التفسير الأكبر دقّة لواقع أن ألمانيا، البلد الكبير والقوي، مشت وراء قائد مخيف مثل هتلر يكمن، أي التفسير، في كون أن الطبقة الوسطى الألمانية دعمته.
ويوضح المـــؤلف أنه من المعـــروف أن جوزيـــف ستالين، كان قد رفض الاعتقاد بأن جيوش هتلر كانت تعدّ لغزو الاتحاد السوفييتي عام 1941، ذلك رغم المؤشرات العديدة التي عرضها له جنرالاته. ولا يعيد المؤلف ذلك لكونه فاشلا استراتيجيا، بل لأن الهجوم الألماني لم يكن يتناظر مع مخططاته.
وبالتــــالي لم يكن يستطيع قبول فكرة أن تفلــــت السيطرة على الوضـــع، من يديه.. فبحسب المؤلــــف، كان دبلوماسيا بارعـــا، ودكتاتورا قتــــل الآلاف من جنوده في شهر مارس من عـــام 1942، أثــناء الهجوم المضاد على الألمان، من دون التحضير العسكري الجيد، مع تجاوز الخطـــط التي وضعهــــا المارشــــال جوكوف.
ولا يتردد المؤلـــف في توجيـــه النقد الشديد إلى الجنرال البريطاني مونتيغمـــري، الذي يرى أنه جرت مبالغة كبيرة في الشهرة التي نالها.
الكتاب: الحرب العالمية الثانية
تأليف: أنتوني بيفور
الناشر: ليتل براون وشركاه ــ لندن ــ 2012
الصفحات: 863 صفحة
القطع: المتوسط
The second world war
Antony Beevor
Little Brown Ana Company - London - 2012
863 .p

