يضم كتاب "نجيب محفوظ الصورة والمثال، للناقدة د.لطيفة الزيات، مجموعة من المقالات عن بعض روايات نجيب محفوظ، تنتمي إلى فترة زمنية تمتد من أوائل الستينات من القرن الماضي وحتى اليوم، وترجح فيها كفة الاهتمام بالفترة، بدءًا من "اللص والكلاب" وإلى "ميرامار" وما عداها؛ حيث تعتبر المؤلفة هذه الفترة هي أهم فترات تطور أسلوب نجيب محفوظ الروائي، وتتحمس للتجديد التقني الذي استحدثه في الرواية العربية. وتمثل الدراسة بوجه عام، رؤى نقاشيــة حول الشكل الروائي والمنظـــور الفلسفي في عالم نجيب محفوظ.

وتُرجع الزيات الفضل لنجيب محفوظ في أن الكاتب الحديث في مصر، استطاع أن يتحرك بحرية، وأن يخرج من نطاق التسجيل الفوتوغرافي إلى نطاق التصوير الرمزي، هذا الذي يُغني التجربة الواحدة بمستويات مختلفة من المعاني، وقد تحرك بعض الكُتَّاب المعاصرين في هذا الاتجاه.

إن أحد أهم إنجازات نجيب محفوظ في رواية "اللص والكلاب"، كما تقول المؤلفة، أنه نجح في إعادة التوازن بين الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية.. فالرواية تحتوي على قدر كبير من السرد والحوار التقليدي، ومن الأحداث الخارجية أيضًا، فبطل الرواية "سعيد مهران" يعيش خلال الفترة الزمنية للرواية حياته الخارجية كاملةً، وهو يخرج من السجن.

ويقتل أكثر من شخص ويهرب من البوليس، ثم يلقى مصرعه في النهاية، فالرواية لا تنقصها الأحداث الخارجية المثيرة، ومع ذلك فنحن نشعر طوال الوقت بأن هذه الأحداث ليست مهمة في حد ذاتها، بل إنها تستمد أهميتها ومعناها لأنها تنعكس خلال شعور الشخصية الرئيسة، وكأن الحدث بأكمله يحدث في شعور واحد، هو شعور سعيد مهران.

وتؤكد الزيات أن نجيب محفوظ في "اللص والكلاب"، يُقرن الحقيقة الداخلية بالخارجية، ويحرص على إيجاد التعادل بين الحقيقتين، فالحقيقة بالنسبة إليه ليست حقيقة داخلية بحتة ولا خارجية بحتة، بل هي مزيج بين الاثنتين، وقد كان طبيعيا والأمر كذلك أن يختار من بين مستويات الشعور التي تسبق مرحلة الكلام أقربها إلى مرحلة الكلام، أي ذلك المستوى القريب من السطح، وهو المستوى الذي يختاره كاتب القصة الذي يريد أن يمزج بين الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية، وأن يتتبع العالم الداخلي للشخصية من ناحية، وأن يستفيد من الناحيــة الأخرى بمزايا الرواية التقليدية من حيث بناء القصة، وتوافر الأحداث الخارجية.

وفي تناولها لرواية "الشحاذ" التي نُشرت عام 1965، ترى المؤلفة أن الحقيقة الوحيدة التي تشغل بطل الرواية "عمر الحمزاوي" هي حقيقة مواجهة الموت دون أن يتحقق للحياة المعنى.

كما تتناول الكاتبة بالدراسة، قصة "صوت من العالم الآخر" التي نشرها نجيب محفوظ عام 1945، وترى أن القصة تدليل كلاسيكي لمفهوم الكاتب للوجود ولوضعية الإنسان في هذا الوجود، وتعليق على الفعل الإنساني في ظل رؤية للزمن تصدر عن هذا المفهوم المثالي.

وتتبع القصة في إطار فرعوني، وضعية الإنسان ما بعد الموت، في مفارقة حادة لوضعيته في الحياة، وتبدأ القصة وتنتهي وكاتب أمير من أمراء الفراعنة في القبر، يحكي لنا ما كان من مداهمة الموت له، وسقوط الجسد عنه وتوحده مع جسد الكون، ورؤيته لحقيقة هذه الدنيا إبان التوحد، وانتظاره للمرحلة الأخيرة في رحلة الأبدية، وهي مرحلة التوحد مع الحقيقة العليا، وتنتهي مذكرات "توني" قبل أن يقلع إلى هذه المرحلة الأخيرة.

ومن جهة أخرى، ترى د. لطيفة الزيات في رواية "عبث الأقدار"، وهي أولى روايات نجيب محفوظ، والتي اعتبرها أغلب النقاد عملا روائيا فاشلا يفتقر إلى النضج الفني، ترى فيها مدخلا مهما لفهم رؤى نجيب محفوظ للوجود وطبيعة الصراع الدرامي، وبذور أنسنة اللامحدود في المحدود، واللامحسوس في المحسوس، والتي يعتبرها الفيلسوف الألماني "هيجل" ضرورية الفن العظيم.

وتلاحِظ الزيات أن "عبث الأقدار" تفتقر إلى الصراع، والصراع عند هيغل ليس صراعا بين خير وشر، ويتأتى أن يكون الصراع بين خير وخير؛ لأنه صراع بين أطراف الجوهر الأخلاقي ذاته، وكل أطراف الجوهر الأخلاقي خيرة أياً كانت القوة الأخلاقية التي تتمثلها، والصراع يجري بين فرد وآخر.

ولكنه ليس بحال صراعا حول فردية كـــل منهما، فالصراع يجري بمدى ما يتمثل الفرد ذاتـــه في مطلب أخلاقي عام يمس المجتمع بأكمله، وربما الكون، ومن ثم فهو صراع خيِّر دائما، لا يعيبه إلا تطرف كل من طرفيه، تطرفا يلغي الحق الأخلاقي المضاد؛ وإنهاء الصراع بالنسبة إلى هيغل لا يعني إلغاء مطلب أخلاقي لحساب الآخر، ولكنه يعني إرساء الاعتدال ضد التطرف، وإحلال الوحدة محل الانقسام، وفي "عبث الأقدار" يحرص نجيب محفوظ على توكيد الصفة الأخلاقية للصراع الذي يجريه، ويعمد إلى التقرير خشية أن يتوهم القارئ أنه أمام صراع خير وشر.

 

 

 

الكتاب: نجيب محفوظ.. الصورة والمثال

المؤلفة: د. لطيفة الزيات

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 2012

الصفحات:265 صفحة

القطع: الصغير