عندما كانت الحرب العالمية الأولى لا تزال مستمرة في عام 1917، أي بعد ثلاث سنوات من نشوبها عام 1914، قامت في روسيا الثورة المعروفة باسم "الثورة البلشفية" التي رأى فيها الملايين من البشر نوعاً من "الشعاع الكبير" وسط القتل والدمار. ذلك خاصة أن الذين قاموا بها قدّموها على أنها ثورة شعب عانى من نظام استبدادي طويل مثله حكم القياصرة الروس، كما رفعوا شعاراً يستجيب لأحلام كُثر عندما طالبوا بـ"الخبز والسلام والحرية".
مثل تلك "الصرخة" يردّ عليها بيير فاللو وماتيلد ايكار، مؤلفا كتاب: "روسيا، الثورات والستالينية" بالقول أن تلك الشعارات "المتفائلة" المرفوعة لم تكن أكثر من "حلم طوباوي" كما أثبتت الأحداث الكبرى التي عرفتها سنوات 1905- 1935. وعام 1905 هو الذي شهد ما يُعرف بـ"الأحد الدامي" الذي عرف مصرع الآلاف من العمال والمواطنين الروس على أيدي أجهزة أمن القيصر "نيكولا الثاني". أما عام 1953 فهو عام وفاة جوزيف ستالين بعد عدة عقود أمضاها على رأس الدولة السوفييتية.
ويشرح المؤلفان في الفصل الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان "1905: القيصر لا يصغي إلى المطالب العمالية"، كيف أن القمع والقتل في تلك السنة كانا في أصل التحرك الشعبي الذي قاد إلى ثورة 1917. تلك الثورة التي قصت على إمبراطورية شاسعة كانت تضاهي بعظمتها الامبراطورية البريطانية.
ولكنها كانت، أي روسيا القيصرية، ضعيفة على المستويين الاقتصادي والعسكري، ذلك أن عملية التصنيع في تلك البلاد بدأت في مطلع القرن العشرين وكانت بالتالي "متأخرة جداً" عن بقية البلدان الأوروبية. لكن ذلك لا يمنع واقع أن روسيا كانت في ظل نيكولا الثاني تحتل المرتبة الثالثة على الصعيد العالمي عام 1913.
وبعد القمع الأعمى الذي مارسته الأجهزة القيصرية، اضطر القيصر بعد عدة أشهر على إجراء تعديلات دستورية ووقع بيان تأسيس مجلس "الدوما"، كبرلمان يتم انتخابه بالاقتراع العام، محوّلا بذلك النظام القيصري المطلق إلى نظام دستوري. ثم تراجع عن ذلك كله عندما استمر المتظاهرون بحركتهم الاحتجاجية. وحلّ مجلس "الدوما"، لكن الوقت كان متأخرا فقامت ثورة 1917.
وبعد فترة قصيرة كان فيها لينين هو السيد الأول في روسيا البلشفية تولّى جوزيف ستالين مقاليد السلطة، وأطلقوا عليه تسمية "أب الشعوب". وينقل المؤلفان في نهاية مقدمتهما للكتاب جملة في توصيف فترة ستالين مأخوذة من الكتب المدرسية الروسية المطبوعة حديثا. ويتم فيها تقديم الفترة الستالينية على أنها كانت تتسم خاصة بـ"تحديث" روسيا.
بكل الحالات يتم تقديم ستالين في الكتب المعنية على أنه قدّم من الخير لروسيا أكثر مما اقترفه من شرور. البرهان هو أنه حتى "مجاعة 1932-1933"، تقع مسؤوليتها على الظروف المناخية السيئة وعلى تأخر عمل الجمعيات التعاونية، بهذا المعنى يرى المؤلفين أن ستالين "لا يزال يثير الإعجاب" لدى كُثر. لكن مثل هذه المقولات ليست أكثر من "أساطير".
كما يحاول مؤلفا الكتاب تقديم البراهين. ذلك بالاعتماد على الوثائق والخرائط والصور التي تثبت كلها" سنوات ستالين الرهيبة"، وهو الذي تولّى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي منذ عام 1922 حتى عام 1952، واستمر في قيادة الدولة طيلة تلك الفترة وحتى وفاته عام 1953. ما يتم تأكيده عامّة هو أن ستالين، بالإضافة إلى مسؤوليته عن عدة ملايين من الضحايا، مارس على مدى حوالي نصف قرن من الزمن نظام التعاونيات على الصعيد الزراعي، والتصنيع القسري وحقق بعض النجاحات الاقتصادية.
وكان ستالين أحد المنتصرين على ألمانيا النازية. ولا شك أنه الشخصية الرئيسية في هذا الكتاب مع التعرّض قليلا لشخصيات مثل لينين وتروتسكي.
الكتاب: روسيا الثورات الستالينية
تأليف: ماتيلد اياكار بيير فاللو
الناشر: ارشيبيل باريس 2012
الصفحات: 432 صفحة
القطع: المتوسط
Russie, révolutions et stalinisme
Mathilde Aycard, Pierre Vallaud
Archipel - Paris- 2012
432 .P
