يتضمن كتاب "هؤلاء الشعراء وعوالمهم المدهشة" للشاعر «فاروق شوشة» سبع دراسات عن سبعة شعراء، أو هي بالأحرى سبع قراءات لعوالم هؤلاء الشعراء وآفاقهم الشعرية، وهي في جوهرها قراءة متذوقة لإبداعهم الشعري، ووقفة شاعر يستمسك بوعيه الشعري ويعتصم بذائقته، بأكثر مما يتكئ إلى مناهج النقد، أو يحاول مزاحمة النقاد، فلكلٍ وسيلته وطرائقه، ولكلٍ غاياته ومراميه، وما أبعد الشُّقة بين العالمين!.
واحدة من هذه الدراسات تناولت الشاعر السوريّ "نزار قباني" تحت عنوان: "عصر من الشعر"، مؤكدًا قبل كلّ شيء أن الكتابة عن نزار هي لونٌ من المشي على الشوك، لأنه أكثر الشعراء المعاصرين إثارة لغبار المعارك، وأكثرهم وقوعًا في شرك الأحكام القاطعة المانعة. ويؤكد أن نزار قباني كان عاملًا رئيسيًا في التحولات التي شهدتها القصيدة خلال العقود الأخيرة.
فقد استهلك كل الأشكال والصيغ المألوفة للقصيدة العربية، القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وبينهما قصيدة المد الرومانسي في صورها المختلفة، وعندما تفجرت الكتابات الشعرية الجديدة التي سماها أصحابها بقصيدة النثر لم يكن نزار بعيدًا عن التجربة.
والذي لا شك فيه أيضًا أن شعر نزار لا يتحداه إلا نثره، ذلك أن كتاباته النثرية فيها من حقيقة الشعر وحرارته ما في شعر نزار نفسه، بل إنها في بعض الأحايين ترتفع لتصبح أجمل وأروع تأثيرًا من بعض قصائده!. وتحت عنوان "صوت عصرنا الشعري"، كتب شوشة عن الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور، مؤكدًا أن البساطة الشديدة الأسْر، والعمق الشديد النفاذ هما وجهان للصيغة الشعرية التي أنجزها عبدالصبور، وهو جانب يثير علاقة الشاعر بالوعي.
ويؤكد المؤلف أن عبدالصبور فعل وأنجز الكثير، وأنه - وقد رحل في مستهل الخمسين من عمره، قد رحل مكتمل النضج والخبرة والوفرة والتمرّس كما لو كان في السبعين، وفي رحلته الشعرية والفكرية اكتمال، ومازال شعره ينتظر القراءة الجادة المتأملة، ولا تزال مسرحياته صوت احتجاج غاضبا نبيلا يطالب بالوصول إلى الجمهور العريض ليفكر ويتحرك وينفعل.
وعن الشاعر "أحمد عبدالمعطي حجازي"، كتب شوشة تحت عنوان "قصيدة حجازي والجدلية الحية مع الموروث الشعري"، ففي رأيه أن قيمة الإنجاز الشعري لحجازي في ديوان الحداثة ترجع إلى قدرته الفذّة على إقامة جدلية حية مع الموروث الشعري من ناحية.
والانفتاح المستمر على آفاق المغامرة والتجاوز من ناحية أخرى، هذه الجدلية تتنامى وتتعاظم في مشروع حجازي الشعري كلما تقدمت به الخطى، وعمق المسار، واكتملت ملامح الإنجاز، عندئذٍ تكتسب لغته الشعرية ولع الافتتان بمنازلة الأقران السابقين من فرسان الشعر العربي، وزهو المصاولة تعبيرًا عن الذات وإثباتًا للقدرة على التجاوز والاختلاف. وعن عباس العقاد كتب المؤلف تحت عنوان "حوار الصخر والنهر".
مؤكدًا على وجود مسافة واسعة بين قراء الشعر المعاصرين وبين شعر العقاد، الذي هو وحده الذي يكشف لنا عن ضعفه الإنساني، ويجعلنا ننسى صورة "السوبرمان" التي نخرج بها من سائر كتاباته، صورة تتشكل من عناصر العناد والإصرار والكبرياء والتحدي، والشعور بالزهو والتفوق والاستعلاء على الآخرين، أما العقاد في شعره فهو كائن شديد الهشاشة لفرط حساسيته واتقاد مشاعره ورهافة وجدانه.
وتحت عنوان "البنية الشعرية عند بدوي الجبل" كتب شوشة أن البناء الشعري عند الشاعر السوري بدوي الجبل بناء هرميّ، قاعدته صلبة وراسخة، تشبه ما قاله البعض عن قصائد المتنبي وبنيتها التي تشبه البناء المسلَّح، يفتنّ البدوي في إنجازها وتشييدها وتحديد ملامحها منذ الضربات الأولى لريشته المبدعة في مستهل القصيدة، ثم سرعان ما يتشكل البناء وينمو ويتصاعد، وتُضاف إلى هذه القاعدة طبقات شعريّة متراكمة، تؤكد حقيقة البناء وجوهره المتناميين.
وصولًا إلى قمة البناء الشعري، هذا البناء الهرمي هو الوعي الشعري المحدث عند الشاعر الذي لا يغفل الالتفات إلى معمار قصيدته نموًا وحركة وجدلية، وهو الأمر الذي كان يعصمه دومًا من الوقوع في أسر التكرار، تكرار المعنى أو الفكرة أو الحركة النفسية، هذا الالتفات إلى المعمار الشعري جعل لقصيدة البدوي تصميمًا محكمًا، وقدرة على الحركة والتنويع والتغيير والالتفات من خلال فكر يغلي كالمرجل، وحس يستوعب حركة الكون، ولغة طيّعة مسعفة كأبهى ما تكون وأروع ما تكون، وتأمُّل يقي صاحبه الشطط والوقوع في المحظور، ويكسو قصيدته بردة مخملية من جلال وجمال.
الكتاب: هؤلاء الشعراء وعوالمهم المدهشة
تأليف: فاروق شوشة
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2012
الصفحات: 156 صفحة
القطع: الصغير

