يتناول نادر سراج في كتابه «الشباب ولغة العصر » مفردات لغة الشباب، بالاستناد إلى ما تقدمه الدراسات اللسانية الحديثة، وإلى خبرته في هذا المجال. ويتمحور مسعاه حول نقل مضامين خطابات مغيَّبة، من خلال النظر في ما تفوَّه ويتفوّه به الشباب من كلمات ومصطلحات وتعابير مقترضة، مما يتردد يومياً على ألسن الشابات والشبان، ويتردد في الأغاني والمسرحيات والمسلسلات والإعلانات التلفزيونية، وفي دورة الكلام وأجزاء القول والخطابات الحديثة.
ويوضح سراج مصطلح الاقتراض اللغوي، بوصفه مبدأ لسانياً معروفاً، يستند إليه اللسانيون، بوصفه قاعدة إيضاحية للخطاب ولمختلف أشكال التواصل الاجتماعي، وتختلف ظواهره في بعض أشكاله ومستوياته.
ويعتبر نادر سراج أن المقترضات تجلب، بشكل عام، منفعة للغة المقترِضة التي تستعير من اللغة الأجنبية المقرِضة وسائل تعبيرية جديدة، بالنظر إلى أن الاقتراض اللغوي يشكل جانباً من جوانب التلاقح على مديات زمنية بين الثقافات واللغات، حيث ترصد المناهج اللسانية مفاعيل عمليات الاقتراض وسيروراتها، وتبيان دورها في تعزيز القدرات التواصلية، ورفد النسيج اللغوي العربي بمفاهيم ومصطلحات حديثة.
ويعرض المؤلف نماذج عن المقترضات الرائجة في الخطاب التداولي العام، تظهر كلمة "الشوفرة"، التي رافقت دخول السيارة إلى البلاد العربية، وتمثل الكلمة الأولى التي عرّبها الجمهور عن كلمة "شوفور" الفرنسية، وطوعها مشافهة، ونسجها على وزن فوعَلَ. وقبل ذلك، وفي العهد العثماني، راجت كلمة "سوكَرَ"، بمعنى أمن على البضاعة، ثم نسج منها "مسوكر"، أي مؤمن ومضمون.
ثم تتالت السوابق القتراضية خلال القرن العشرين المنصرم، حيث راجت "الفوترة" من "فاتورة"، و"المكيجة" من "مكياج"، ومقترضات تتصل بتسريح الشعر. وتتالت مقرضات مثل "البزنسة" و"الدكترة" و"الأوفرة" و"الكودرة" و"المستكة"، وصولاً إلى "الغوغلة"، والأوبمة" و"الكوكلة"، و"المدكنة"، وكثير سوى ذلك.
وتتضمن المقترضات المعربة والرائجة بين أوساط الشباب، ولدى الجمهور العام، نماذج اقتراضية شائعة وشبابية المنحى، وأخرى نتجت عن تمدد المقترضات الوافدة من ألسن حية في مختلف المجالات؛ وبخاصة تلك التي تستقطب أكثر فأكثر الاهتمامات الحالية للجمهور عموماً، وللناشئة من الجنسين تحديداً.
حيث استحدث الشباب كلمات دخيلة، وولدوها بوسائلهم الخاصة، للتعبير عن أحوالهم وأمزجتهم، مثل كلمة "مبَومَر"، المقترضة من "بوان مور"، وتعني نقطة عطالة السيارة، التي تحولت إلى معنى العطالة الجنسية، أو شاب لا يفكر، أو "رأسه فاض".
ويرجع نادر سراج ظاهرة الاقتراض اللغوي إلى السلوك التحرري للشباب، الذي لا يقتصر لديهم على اللغة فقط، بل يطاول أيضاً مجالات الزيّ، وتسريحة الشعر، والمأكل، والمشرب، والرياضة، وفنون قيادة المركبات والدراجات، واقتناء الهواتف الخلوية، وملاحقة تطورات الموضة، ومختلف الصرعات الشبابية. وعليه، فإن هنالك إشكالية حقيقية، ذات مظهر سلوكي لغوي، تتجسد في أن الشباب ينزع على الدوام إلى مشاكلة الغرب بثقافته.
ويلاحظ نادر سراج أن المقترضات الدخيلة، تؤخذ عادة من طرف مستخدمي العربية، على تنوع بيئاتهم، بمعانيها وتسمياتها، وبلغاتها الأصيلة، أو بصيغ مترجمة، وبأخرى معربة، تعدل تراكيبها وفق الأمزجة الشبابية، وحسب سياقات الاستخدام المستجدة. لكنها لا تؤخذ في غالب الأحيان بمعانيها القاموسية، بل بأخرى تواطأ عليها الشباب.
وباتت تتوافق مع طبيعة استخداماتها الجديدة في قاموسهم الخاص. ويعتبر المؤلف أن الشباب يلجأون، باستمرار، إلى اعتماد مبدأ الاقتراض اليومي، نسجاً على منوال من سبقهم، أو انتهاجاً لطرق صياغة جديدة، تتماشى مع أمزجتهم، وطرق تفكيرهم، واهتماماتهم .
الكتاب: الشباب ولغة العصر
تأليف: نادر سراج
الناشر: الدار العربية للعلوم بيروت 2012
الصفحات:407 صفحات
القطع: الكبير

