يلتزم كتاب " السلفيون في مصر.. ما بعد الثورة"، لمجموعة من الباحثين المهتمين بالحالة الإسلامية، بتفصيل وتوضيح مختلف الجوانب حول الحركة السلفية في مصر، وطبيعة الطورات في مواقفها بعد الثورة، متطرقا الى حالها ووضعها، وكذا تاريخها، في الاسكندرية.
كما يلقي المؤلفون، الضوء على الأحزاب السلفية الجديدة ومستقبلها ورؤيتها، مع دراسة حالة التجمعات والكيانات السلفية الجديدة، مقدمين توثيقا لتاريخ السلفية الجهادية في مصر، يتسم بأهميته الخاصة بالنسبة إلى دارسي الحالة، ذلك في ظل حالة الغموض والنقص في المصادر، سيما وأنه صادر عمن عايشوها (الحركة السلفية)، وكانوا على مقربة من أصحابها، ولم تغفل الدراسة استعراض طبيعة علاقة التيار السلفي بالإخوان المسلمين، ومآلاتها.
ويركز الكتاب على الدعوة السلفية في الإسكندرية، من خلال قراءة في مواقف: برهامي والشحات، بشأن السياسة والديمقراطية والانتخابات، قبل الثورة وبعدها. ويشير الباحثون المساهمون فيه، إلى أن الدعوة السلفية في الإسكندرية، وكسائر التيارات السلفية في مصر، تجنبت الانخراط في العمل السياسي أو تأسيس الأحزاب أو المشاركة البرلمانية أو الدعوة إلى صناديق الاقتراع.
وظلت طيلة العقود الماضية تؤثر الدعوة إلى الله، وترفع شعار التصفية والتربية، وإن كان مما ميزها عن غيرها من التيارات السلفية التقليدية، اهتمامها بفقه الواقع، وتناولها الشأن السياسي بالتنظير والتحليل والتعليق، من خلال الدروس والمحاضرات لأعلامها. وكذلك الفتاوى والمقالات لأبرز منظريها: الشيخ الدكتور ياسر برهامي، وتلميذه الشيخ المهندس عبد المنعم الشحات- المتحدث الرسمي للدعوة السلفية، بعد الثورة.
ويظهر الكتاب، في صيغة منهجية تعتمد على التوثيق والمقارنة، مواقف الدعوة السلفية عقب الثورة وقبلها، إزاء قضايا عديدة، وعلى رأسها المشاركة السياسية، والمادة الثانية من الدستور، والتي هي محل جدل كبير، إذ يلفت الباحث إلى أن البعض يظن أن استماتة السلفيين في المناداة ببقاء المادة الثانية من الدستور.
والتي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع، مجرد محاولة لتكريس خطاب استعدائي تخويني ضد الآخر، ومن أجل اللعب على العواطف الدينية سعيا إلى حشد أكبر قدر من التعاطف لدى العوام، ذلك تحت ستار الخوف على هوية مصر الإسلامية من الضياع.
وذلك بالرغم من عدم تفعيل هذه المادة، ولكن الواقع أن المادة الثانية ظلت بمثابة مصدر اطمئنان للتيار السلفي طيلة العقود الثلاثة التي أعقبت وضعها في عصر الرئيس السادات، والحصن الأخير الذي لا يسمح باقتحامه إلا على الأشلاء والجثث، والورقة الأخيرة الضامنة لما يعبرون عنه بالهوية الإسلامية، من أجل كبح جماح الطموحات العلمانية، وهو ما يمكن أن نلمسه بوضوح من خلال معركة الحجاب، خلال فترة محددة، في زمن وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، تحديدا في عام 2006 .
وتؤكد أبحاث الكتاب، أن الهدف من هذه القراءة، ليس الهجوم على الدعوة السلفية ورموزها، وإنما الدلالة على أهمية الدور الذي يلعبه السلفيون والتيارات الإسلامية الأخرى حاليا، بعد انتهاء العزلة الإجبارية والاختيارية، والتشديد على أن ما يفرزه مناخ الحرية السياسية والاجتماعية من حالة مراجعات، حالة صحية تنعكس على الإطار الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني العام، ومن شأنها إزالة الكثير من الرؤى الضبابية، وتقريب الكثير من وجهات النظر البعيدة.
ويخصص الكتاب مساحة مهمة للحديث عن حزب النور، أهم تيار سلفي سياسي ظهر بعد الثورة المصرية. ويبين أن الحزب شدد في برنامجه السياسي على هدفين: إقامة دولة عصرية حضارية متقدمة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية واعتبارها المصدر الرئيس للتشريع. وتشرح أبحاث الكتاب، في هذا الصدد، أن هذا الحزب يرى في الأقباط شركاء الوطن، إلا أنه لم يحدد موقفه من وصول قبطي إلى رئاسة الجمهورية، وهو في الأساس لم يبدل رؤيته من ولاية غير المسلم.
وهذا الالتباس بشأن الأقليات وحقوقها السياسية لا نجده عند السلفيين الجدد فحسب، فبرنامج حزب الحرية والعدالة الإخواني لا يقل شأناً لناحية الارتباك والالتباس في استعمال مصطلحات غربية، كالمواطنة والتعددية والدولة المدنية. وكذلك، فإن خطاب الإخوان المسلمين لا يزال ضبابياً تجاه وصول قبطي إلى رئاسة الجمهورية.
ولا نعلم إذا كانت الإخوانية المصرية تخلّت فعلاً عن نهج أخونة المجتمع المصري. ويلفت الكتاب إلى أنه لعل وثيقة التمكين التي وضعتها الجماعة عام 2010، لا تسمح لنا بالمراهنة على تحولات إيجابية، خصوصاً وأن الإخوان حتى اللحظة، يرفضون الاقتداء بالتجربة التركية. وقد أعلنوا سابقاً أن الإسلام السياسي التركي يختلف عن التجربة المصرية.
ويعتمد الكتاب، في جميع ما يعرض له من أسس وتحليلات، على المادة التوثيقية، لا على الرؤية النقدية.
الكتاب: السلفيون في مصر.. ما بعد الثورة
تأليف: مجموعة باحثين
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي ومركز الدين والسياسة للدراسات بيروت 2012
الصفحات:292 صفحة
القطع: المتوسط

