يسرد كتاب «الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد حتى ثورة 14 تموز 1958»، لمؤلفه سيف عدنان أرحيم القيسي، جملة التأثيرات والعوامل التي شكلت أرضية خصبة لبذار التوجهات الشيوعية في العراق، بدءاً من ظهور بعض الصحف المتخصصة، ووصولاً إلى تأثيرات ثورة اكتوبر في عام 1917، التي طالت في تأثيراتها، بشكل أو بآخر، الكثير من شعوب المشرق، سيما حينما فضح البلاشفةُ أسرار اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916، والتي نصت على تقاسم بريطانيا وفرنسا، دول المشرق العربي بينهما، فاتجهت الفئةُ المثقفة العراقية، إلى متابعة أدبيات البلاشفة والأحداث التي تجري على الأرض الروسية.
وينتقل القيسي، في خصوص شرح إفرازات الكشف عن تلك الاتفاقية، الى توضيح كيفية تجاوب الشبان العراقيين المثقفين الميالين إلى الماركسية، إذ اتخذوا من "مقهى النقيب" في بغداد مكاناً للالتقاء، وبدؤوا يُصدرون، بدءاً من أواخر ديسمبر 1924، صحيفة نصف شهرية تركزت أخبارُها على مشاكل البلاد الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ثم، في عام 1926، أقاموا نادي التضامن برئاسة يوسف زينل، وأصبح يتحرك تحت غطائه دعاةُ الديمقراطية. وكان من أبرز نشاطاتهم السياسية الموقف الاحتجاجي على زيارة الزعيم الصهيوني الفرد موند إلى بغداد في شهر شباط فبراير 1928.
ويشير المؤلف الى انه كان ثمة ضابط روسي يدعى بطرس فاسيلي، ويلقب بـ(أبي ناصر)، جعل من الناصرية مقراً له، وأخذ يبث دعوته للشيوعية، واستطاع أن يجمع حوله بعض الأتباع، وشكل أول حلقة شيوعية في البصرة سنة 1927، وكان أول من استجاب الى هذه الدعوة عبد الحميد الخطيب. وتشكلت أولُ خلية للحزب الشيوعي العراقي في أحياء بغدادية متجاورة، في أيام النظام الملكي سنة 1934..
وهذا ما أكده الطالب في مدرسة الحقوق، حسين الرحال الذي تولى مسؤولية هذه الخلية ذاتها. وفي فبراير عام 1932 اعتقلت الحكومة عدداً من النشطاء السياسيين، كان بينهم يوسف سلمان يوسف، حامل الاسم الحركي (فهد) الذي اعترف بأنه شيوعي، ولكن السلطة القضائية، ويالطرافة، أفرجت عنهم جميعاً لعدم وجود نص في قانون العقوبات البغدادي، يُحَرّم الشيوعية!
ولم يمض وقت طويل حتى عقدت اللجنة المركزية لمكافحة الاستعمار والاستثمار، اجتماعاً في أواخر شهر يوليو 1935، قررت فيه انبثاق الحزب الشيوعي العراقي، وإهمال التسمية السابقة (الخلية). وأصدرت - بشكل سري- جريدة "كفاح الشعب"، وقد طرزت صفحتها الأولى بالمطرقة والمنجل وشعار كارل ماركس.
وإبان الحرب العراقية البريطانية (أيار-1941) أصدر الحزب الشيوعي بياناً دعا فيه الشعب للالتفاف حول حكومة رشيد علي الكيلاني، والكيلاني بدوره، وكبادرة حسن نية، أمر بإطلاق سراح الجنود الشيوعيين المسجونين منذ أربع سنوات، ولعله أراد، من جهة أخرى، الحصول على دعم ومساندة الاتحاد السوفييتي.
ولدى هجوم القوات الألمانية، في العام نفسه، على الاتحاد السوفييتي، تغير موقف الحزب الشيوعي من الحرب، وأعلن، في اجتماع اللجنة المركزية (أيار مايو 1942) أن الجيش البريطاني جيش تحرير في حربه ضد النازية.
وفي سنة 1945، عد الحزبُ انتصارَ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، انتصاراً للاشتراكية التي يؤمن بها، وطالب الحكومة العراقية بإشاء الحريات الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية، وتوفير الغذاء للشعب. ومن ثم ألقى الوصي على العرش، عبد الله، خطاباً أمام مجلس الأمة أوضح فيه سياسة جديدة تتمثل بفتح المجال للنشاط السياسي. وألغيت الأحكام العرفية، وتحول الحزب الشيوعي إلى حزب علني باسم (حزب التحرر الوطني) ولكن الحكومة لم تُجزه، بل أجازت الأحزاب التي يسيطر عليها الشيوعيون.
وفي الثالث من يوليو عام 1946، تبين أن الحزب الشيوعي العراقي يقف وراء إضراب عمال شركة نفط العراق في كركوك الذي طالب بعدة قضايا، منها: تحسين الأحوال المعيشية للعمال، زيادة الأجور، تخصيص وسائل نقل. وحينما أبت الحكومة أن تستجيب لمطالبهم ، تجمعوا في حديقة (كاورباغي) فأمطرتهم قوات الشرطة بوابل من الرصاص، ما أدى إلى استشهاد خمسة عشر عاملاً واعتقال معظم قادة الإضراب.
ويتحول القيسي إلى استعراض مرحلة اخرى مهمة في هذا الخصوص، تتمثل في فترة نوري السعيد، الذي تسلم رئاسة الحكومة بعد أرشد العمري، أواخر 1946، إذ كان يتظاهر بأنه لا توجد شيوعية في العراق.. وفي مطلع 1947 تم اعتقال (فهد) وحسين الشبيبي وزكي بسيم.. وحُكم على فهد بالإعدام، وزميليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، ثم خفف حكم (فهد) إلى الأشغال الشاقة المؤبدة..
ثم أعيدت محاكمته وحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في 14 / 2 / 1949. يكاد تاريخ الحزب الشيوعي العراقي- بحسب ما جاء في هذا الكتاب، موثقاً- أن يكون سلسلة من الصدامات والاشتباكات مع الأوضاع الداخلية والخارجية .
الكتاب: الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد حتى ثورة 14 تموز 1958
تأليف: سيف عدنان القيسي
الناشر: دار الحصاد دمشق 2012
الصفحات: 278 صفحة
القطع: الكبير

