هناك سؤال يتردد كثيرا لدى الباحثين والمؤرخين الغربيين، مفاده: هل كان العالم العربي في صف "المحور" ألمانيا النازية مع حلفائها- أم كان يدعم "الحلفاء" الجبهة المناهضة للمحور، وعلى رأسها فرنسا وانجلترا ثم الولايات المتحدة الأميركية؟ وسؤال آخر هو : ما صحّة المعلومات التي ترددت حول تعاطف بعض القادة في العالم العربي، مع الإيديولوجيا النازية؟

يحاول كريستيان ديستريمو، مؤلف كتاب "الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية"، تقديم إجاباته على هذين السؤالين، وعدة أسئلة غيرهما. ويؤكد منذ البداية، أن أدولف هتلر أعرب قبل أفول نظامه، عن أسفه العميق لإهماله منطقة الشرق الأوسط. وينقل عنه قوله: "إن بلدان العالم الإسلامي كلها، كانت تشعر بالفرح لأخبار انتصاراتنا".

وأمام الجدل القائم حول المواقف الحقيقية للشرق الأوسط، خلال الحرب العالمية الثانية، يعود المؤلف إلى توصيف مسار تلك الحرب، مرحلة إثر مرحلة، ويقدّم حيالها وجهات نظر المتحاربين الأوروبيين، ووجهة نظر بلدان منطقة الشرق الأوسط، كما جاءت من قبل النخب فيها، ومن خلال ردود الشعوب العربية المعنية.

وضمن هذا الإطار يتم التعرّض إلى توصيف الحرب في الصحراء( جنوب بلدان شمال إفريقيا العربية). وإلى سياسة النظام الهتلري "الرايخ" في فلسطين، وإلى الانقلاب المناهض للبريطانيين في العراق، وكذا الدور المحدد الذي لعبته إيران وسياسة حكومة فيشي الفرنسية، المتعاونة آنذاك مع الاحتلال الألماني لفرنسا، في سوريا.

وينطلق المؤلف في تحليلاته، من مكانة مصر، خلال السنوات الأولى للحرب. إذ كانت البلاد قد أعلنت حيادها، ولكنها ظلت مرتبطة بمعاهدة عام 1936، كما كانت معرّضة إلى التهديد المباشر من قبل القوت الإيطالية( وقوات المحور عموما، المرابطة آنذاك، في ليبيا.

ويولي ديستريمو في هذا السياق، أهمية كبيرة لعرض خفايا "حملات التجسس وعمليات التضليل الإعلامي، التي مارسها الحلفاء والمحور، على حد سواء. وعلى صعيد مسار الحرب، يشير المؤلف إلى تغلغل الجيش الإيطالي، الذي كان منتشرا في ليبيا منذ 1911-1912، كجيش احتلال، في الأراضي المصرية، منذ شهر سبتمبر، من عام 1940، ولكن القوات البريطانية بقيادة الجنرال وافيل، دحرت قواته، وتابعت تقدمها شرق مدينة بنغازي، في عام 1941.

وأمام تقدم البريطانيين، قرر هتلر إرسال تعزيزات عسكرية، بقيادة رومل، استعادت السيطرة على ليبيا (سيرانييكا سابقا)، ودخلت مصر. وتلك الانتصارات التي حققها رومل وجيشه، لاقت إعجاب العديد من العرب، كما يقول المؤلف، الأمر الذي فسّره كثر، على أنه تعاطف مع الإيديولوجيا النازية.

ويؤكد المؤلف أنه رغم المخاوف المتنامية لدى العرب، وخاصة بالنسبة للفلسطينيين، أمام صعود قوة الصهيونية، كانت الشعوب العربية لا تتعاطف أبدا مع الدعايات التي كان يبثها المحور. وذلك ربما باستثناء بعض الشخصيات السياسية التي كانت قد عاشت لفترة في ألمانيا، والتقت مع هتلر نفسه.

ويؤكد كريستيان ديستريمو، في أحد الفصول المكرّسة للمشرق العربي، أن الألمان أرادوا دعم الانقلاب العسكري الذي قام به ضباط قوميون في العراق، على خلفية ما بدا من تعاطفهم مع المحور في مواجهة الاحتلال البريطاني لبلادهم. وقد أثار الدعم الألماني للحكومة العراقية الجديدة، قلق البريطانيين الذين بحثوا عن حماية الخاصرة الشمالية لإمبراطوريتهم.

وبالمقابل، كان الوطنيون السوريون واللبنانيون، يأملون أن تؤدي الحرب إلى حصولهم على الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. ثم فسرت قضيتا الهزيمة الفرنسية واستسلام فرنسا أمام هتلر، كمظهر ضعف، مما جعلهم يرون الاستقلال أكثر قربا. وغدت سوريا مسرحا للمواجهات بين حكومة فيشي وجيش فرنسا الحرة، خلال عام 1941.

وفي الفصل المتعلق بإيران، يحدد المؤلف القول ان دورها كان مهما فيما يتعلق بالدعم اللوجستي الذي مارسته. وذلك من موقع أنها كانت محتلّة واقعيا في الجنوب، من قبل بريطانيا، وفي الشمال من قبل الاتحاد السوفييتي. وبذلك خدمت كممر لعبور العتاد الأميركي إلى الاتحاد السوفييتي، والذي كان يعاني من وضع صعب. وذلك رغم أن إيران كانت تعد موسكو عدوا تقليديا لها.

وتجري الإشارة إلى أن تلك الحرب، كانت بمثابة فرصة للاكتشاف المتبادل، للمرة الأولى، بين الولايات المتحدة وإيران. ويشدد المؤلف، في السياق ذاته، على أن نظرة واشنطن تغيّرت تدريجيا، باتجاه جعل إيران حليفا أساسيا لها في المنطقة. ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات، الدور الأميركي في الحرب، ضمن منطقة الشرق الأوسط. ويشير في هذا الصدد، إلى أن الأميركيين كانوا لا يميلون في مرحلة أولى، إلى الانخراط في الحرب ضمن منطقة الشرق الأوسط، بل كانوا يفضلون مواجهة قوات المحور على الأرض الأوروبية. ولكن سقوط طبرق، غيّر المعطيات، فنزلت القوات الأميركية في شهر نوفمبر، على شواطئ شمال إفريقيا.

وتحظى مؤتمرات القمة التي عرفتها: الدار البيضاء والقاهرة وطهران، باهتمام المؤلف. وهو يركز على أن قمة طهران، بين تشرشل وروزفلت وستالين، كانت الفرصة الأولى للقاء الرئيسين الأميركي والسوفييتي.

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يكرس المؤلف حديثه، للضاءة على اللقاء بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك السعودي عبد العزيز بن سعود، في شهر فبراير 1945، مؤكدا أن الملك أظهر عداءه حيال الصهيونية، وبحث عن تطمينات من الرئيس الأميركي حيال الموضوع. وفي ذلك اللقاء بدأت الخطوة الكبيرة في العلاقات الوثيقة بين بلديهما.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية

تأليف: كرستيان ديستريمو

الناشر: بيران باريس 2011

الصفحات: 478 صفحة

القطع : المتوسط

 

 

 

Le Moyen-Orient pendant la seconde guerre mondiale

Christian Destremau

Perrin - Paris- 2011

478 .P