القاعة تغصّ بالتصفيق. المذيعة المصرية على المنصّة تستعيد اللحظات الأكثر «دفئا» في حوارها الشهير مع وائل غنيم، أحد وجوه ثورة 25 يناير. الجمهور عاطفي، يتذكر بكاء الرجل ودموعه التي شكلت جسرا نقل مئات الآلاف من المصريين في اليوم التالي من «المنطقة الرمادية» إلى منطقة الحسم. ثمة كثير من العناوين الفضفاضة ذكرت عن «الحيادية» في الصحافة.

 

. أن تكون حياديا، فيما شعبك الذي تنتمي إليه، وقد منحك «مشروعية» مفترضة للتحدث باسمه كونك إعلاميا.. فيما هذا الشعب يغلي، ويطلّ برأسه من عنق الزجاجة، بانتظار الانفجار العظيم. «أنا اتمسك بالحيادية فهي خشبة الخلاص الوحيدة وهي ليست كلمة (ماسخة)، علينا ان نشدد على ذلك»، تقول نجمة برامج «التوك شو» في جلسة «الإعلام المصري بعد الثورة» ضمن فعاليات «جائزة الصحافة العربية»..

 

لكن بعيدا عن العاطفة، عن استحضار دموع غنيم، وعن شعارات الموضوعية والحيادية التي هي ليست في الأساس قاطعة ولا حاسمة، بذاتها، وإنما يفترض أنها آليات عمل تخدم الموقف القاطع والحاسم، وبعيدا عن إدارة محمد كريشان .

 

والتي تميزت باحترافية وبديهية، دون أن تخلو من بعض الهنّات من بينها «قمع» أحد السائلين في القاعة، بينما المفترض أن «ملاك» الحرية الإعلامية في عهد ما بعد الثورات يرفرف بأجنحته.. وبعيدا عن صمت حمدي قنديل، الذي يملك كل المفاتيح والأسرار عن الشعرة التي تفصل الحيادية بين التراخي وبين عدم اتخاذ موقف قد يكلفك ضريبة «الملاحقة والنفي».

 

.. بعيدا عن ذلك كله ثمة حقيقة : الشاذلي وغيرها من أبطال الـ«توك شو» المصري لم يكونوا ثوارا قبل الثورة بل «منفسّين» عن أتون الغضب العظيم، وهم اليوم، حين يعتلون المنصات، ويغرقون في التحدث عن الحيادية والموضوعية، يرغبون بتمويه ذلك التاريخ وإعطائه عناوين أخلاقية تصلح للمرحلة الحالية وتقيهم شر اللوائح السوداء.

 

. وقد نجح بعضهم في مهمته، لكن، حمدا لله أن ذاكرة «يوتيوب» لا تنطفئ، ومواقفهم وأداؤهم ما قبل الثورة، ماثلة لمن يريد أن يحلل ويشرّح ويصل إلى خلاصات واقعية بعيدا عن الأساطير!