ظلت اليابان تكتسب قدراً من التقدير في أوساط الوطن العربي، وعلى مستوى أقطار العالم الثالث حيث كانت النظرة إلى اليابان، أولاً على أنها قوة آسيوية ــ شرقية كما أسلفنا وناجحة أيضاً، وثانياً على أنها أمة مجبولة على دينامية النشاط واحترام التقاليد الموروثة والأصيلة المستمدة من تراثها الوطني وتاريخها العريق، وثالثاً لأنها حققت إنجازات تكنولوجية لا سبيل إلى تجاهلها أو إنكارها.. دون أن تكون قوة استعمارية على النمط الإمبريالي الغربي على الأقل، وهو يعني ذلك المد الكولونيالي الذي اجتاح كما هو معروف أصقاعاً شتى بدأت مع الإمبريالية الإسبانية في أميركا الجنوبية.. ثم تحولت دفته إلى الإمبريالية الإنجليزية والفرنسية بالذات في افريقيا وآسيا على السواء.

 

النجاح والفشل

ورغم ما تسامع به الفرقاء عن احتلال اليابان لمناطق في الصين أو منشوريا أو شبه الجزيرة الكورية.. إلا أن نفس الفرقاء كانوا يتعاملون مع مثل هذه الأمور من منظور اعتبارها قضايا منازعات إقليمية.. ومن ثم فقد كان استمرار نظرة التقدير إلى اليابان لأنها لم تشارك على الأقل في أخطر وأنكى تجمع استعماري في تاريخ القرن التاسع عشر متمثلاً ــ كما هو معروف ــ في مؤتمر التسابق ــ التكالب على استعمار افريقيا وقد عقدته القوى الأوروبية الطامعة وقتها في موارد وأسواق تلك القارة البائسة.. وجاء انعقاده في العاصمة الألمانية برلين في عام 1884.

ولأن اليابان ــ الأمة والدولة هي كيان بشري في التحليل الأخير.. فقد كان لابد وأن تخضع لما يتعرض له أي كيان بشري من عوامل السلب والإيجاب، النجاح والفشل ــ وهو بالضبط ما تجسد في هزيمتها إلى حد الانكسار في الحرب العالمية الثانية عام 1945، ثم ما لبث المارد الأصفر (الياباني هذه المرة) أن نهض من كبوته كي يحقق ابتداء من ستينات القرن العشرين إنجازات مرموقة ما لبث أن تسامع بها العالم في دنيا العلم والتنمية والتقدم التكنولوجي وغزارة الإنتاج الذي ما لبث أن أغرقت ثماره كل أسواق العالم.. ابتداء من أحدث السيارات وليس انتهاء بأحدث وأدق أجهزة الاتصال الإعلامي وغيرها وغيرها.

 

انحسار المد

وحين عاودت قاعدة السلب والإيجاب زيارة الساحة اليابانية.. تعرضت اليابان مؤخراً لمرحلة تراجع أو انحسار في هذا المد الذي ظل عارماً على مدار النصف الأخير من القرن الماضي، فإذا بالاقتصاد الياباني يصاب بآفة التباطؤ إلى حد الركود خلال العقدين السابقين، على حد ما يوضح ثلاثة من أهم الباحثين الأميركيين هم «إيريك هنبوتام» كبير أساتذة علم السياسة في مؤسسة «راند» البحثية الأميركية (المعنية أساساً بالبحوث الاستراتيجية ــ العسكرية ) وزميله إيلي راتنر أستاذ العلوم السياسية المساعد في المؤسسة البحثية المذكورة، إلى جانب زميلهما ريتشارد صمويل مدير مركز الدراسات الدولية في معهد «ماساشوستس» الشهير (MIT) وهو بدوره أكاديمي متخصص في القضايا الدولية المعاصرة.

هذا الثلاثي من الباحثين الأميركان اهتموا في الآونة الأخيرة برصد الظاهرة المهمة التي أطلقوا عليها الوصف التالي: تحولات اليابان.

وقد نتصور أن مثل هذه الدراسات جديرة بأن تحظى بمتابعة واهتمام ــ موضوعي طبعاً ــ في عالمنا العربي، وبحكم علاقاتنا ــ كأسواق متلقية للأسف ــ بالطرف الياباني وكذلك بحكم أواصر الصداقة البنّاءة التي مابرحت تجمع بين أطراف الوطن العربي وبين اليابان.

صحيح أن الدراسة التي شارك في إعدادها ونشرها الباحثون المذكورون الثلاثة (مجلة الشؤون الخارجية «فورين أفيرز»، عدد نوفمبر 2011). اعتمدت المنظور الأميركي في الإطلالة على التغيرات التي طرأت مؤخراً وما برحت تطرأ حالياً على المشهد الياباني الراهن ــ لكن الصحيح أيضاً أن مثل هذه التغيرات التي يتعرض لها البلد الآسيوي الكبير لابد وأن تكون محل اهتمام من جانبنا العربي على السواء.

 

من الركود للصعود

والمهم أن الدراسة المذكورة، إذ تنطلق من حقيقة أزمة الركود الذي أصاب اقتصاد اليابان عبر السنوات العشرين الأخيرة، إلا أنها تتصور، أو تتوقع بأن اليابان كفيلة بأن تتحول إلى حيث استعادة زمام المبادرة من أجل معاودة أو استئناف دورها النشط ومكانتها المرموقة ضمن العناصر المنتجة أو فلنقل المبدعة علمياً وتكنولوجياً في عالمنا.

والسبب عند الباحثين الأميركان يكمن في كلمة واحدة.. غريبة بعض الشيء وهي: الكارثة!

إنها الشدائد التي ينهار أمامها قليلو الحيلة من البشر، وتنكسر تحت وطأتها الدول المستضعفة، في حين أنها تقوّى عود الإنسان الصلب العزيمة ــ القوّي الشكيمة بقدر ما تشكل أمام الأمم الناضجة تحدياً يزودها بقدر أكبر من العزم وقوة الاحتمال كيما تتجاوز الشدة وتستجمع كل قواها من أجل معاودة السير على الطريق.

 

محنة الزلزال

ولقد تمثلت الكارثة في محنة اليابان التي نزلت بها من جراء الزلزال وأمواج التسونامي التي عصفت بمناطق شمال شرقي البلاد يوم 11 مارس من عام 2011 الماضي، وأسفرت عن أضرار وتلفيات وتعاسات لا يمكن تخيلها على حد قول الدراسة الأميركية التي ألمحنا إليها.. حيث وصفها الباحثون الثلاثة في سطور تقول ما يلي:

- في موجة عاتية من سيول الفيضان لم تكن لتستغرق سوى دقيقتين ليس إلا، فقدت اليابان من مواطنيها عدداً يقارب ما فقدته أميركا من مواطنيها خلال سنواتها الطويلة من الحرب في فيتنام. ثم تعمقت الأزمة التي وقعت بفعل ما حدث في أعقابها من كارثة الانصهار الذي أصاب المفاعل النووي الياباني في منطقة «فوكوشيما».

ولقد نسترجع من جانبنا في هذا السياق قولة السياسي البريطاني ونستون تشرشل وقد أعاد صياغتها الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر حين قال:

- «.. إن الأمم العظيمة تصنعها الآلام العظيمة: نار المحنة لا تحرقها ولكنها تصهر معدنها وتدفع خطاها قُدما إلى الأمام..».

مثل هذا القول يصدق على اليابان حيث رفض عمّالها من شباب ومسنين الحصول على أي أيام للإجازة وأعلنوا تصميمهم على مواصلة العمل ومحاولة تخطي ما ألمّ بوطنهم من أزمات.. وهنا تتوقع الدراسة الأميركية أن توحّد الأزمة بين صفوف اليابانيين وأن تشكل «عاملاً حافزاً على التفاعل» إذا استخدمنا المصطلح الكيميائي «كاتاليست»، من أجل المبادرة إلى إجراء إصلاحات طال انتظارها في المجالين السياسي والإداري، ومن ثم يتسنى مداواة اقتصاد البلاد مما أصابه عبر 20 سنة من الأدواء.

 

توموداشي

في هذا المضمار نجح اليابانيون في تذكير نظرائهم الأميركان ببنود ومقتضيات معاهدة الصداقة والتحالف المبرمة بين الطرفين. وبحكم أهمية طوكيو ومنتجاتها بالنسبة لآلة الإنتاج الأميركية وأيضاً بالنسبة لأسواق الاستهلاك في الولايات المتحدة.. فقد أعلنت واشنطن عن تنفيذ ما يلي: العملية «توموداشي».

معناها عملية «الصداقة» التي دفعت أميركا في إطارها بعناصر المساعدة الإنسانية للمعاونة في الاضطلاع بواجبات الإغاثة على نحو يُعَّد هو الأكبر حجماً في تاريخ العلاقات بين الطرفين.

لكن النهج الذي اتبعته هذه الدراسة الأميركية إزاء تحليل المشهد السياسي العام في اليابان.. وبصرف النظر عن ملابسات الكوارث الطبيعية التي ألمّت بها.. مازال يُحذّر من مشاكل كثيرة يمكن أن تكون ماثلة أو كامنة على الطريق.

السياسة والبيروقراطية

إن اليابان تخوض الآن صراعاً مازال مستتراً تحت سطح الأحداث، ولكنه مندلع بين قوى سياسية تريد أن تمكّن لنفسها في إدارة شؤون البلاد: بين بيروقراطية يابانية قوية النفوذ بحكم كونها عميقة الجذور وهو ما أشعل معارك سياسية بين الساسة الطامحين إلى التغيير من أجل الإصلاح، وبين البيروقراطيين الذين يستهدفون إبقاء الأوضاع على ما هي عليه تحقيقاً لمصالح طال أمدها وقويت شوكتها على مر العديد من السنين.

مثل هذه المعارك ــ تضيف الدراسة الأميركية ــ كفيلة بأن تخلق فراغاً في السلطة وأن تقوّض قدرة العناصر الحاكمة في البلاد على رسم السياسة وصنع القرار ــ فما بالنا وأن البيئة السياسية في طوكيو مازالت تضم مؤسسات قائمة على اتباع النهج التدريجي في أي إصلاحات، هذا بالإضافة إلى بيئة إعلامية «ضارية التنافس» على حد وصف الباحثين الأميركيين الثلاثة.. وكل هذا يتم ويتفاعل.. وربما يتصارع، وسط ظروف اقتصادية مازالت تعاني مشاكل من العسر الشديد.

 

صبر واشنطن

هنا يشير الباحثون على واشنطن أن تجمع بين الصبر الجميل (أو حتى غير الجميل ــ بمعنى احتمال المكاره إذا اقتضته الظروف) وبين مرونة التعامل مع بلد مهم اسمه اليابان وقد أصبح على وشك أن يجتاز مراحل التحول في الحاضر وفي المستقبل.

ونبادر من جانبنا كي نؤكد أن المسألة ليست بالطبع مجرد وفاء أخلاقيّ أو معنوي أو تطوعي بنصوص والتزامات المعاهدات ولا هي تنطلق بداهة من شعور رفيع بالتعاطف الإنساني بقدر ما أنها تقوم على أساس المصالح الاقتصادية ــ الوطنية للطرف الأميركي على وجه الخصوص.. لماذا؟ لأن اليابان هي رابع شريك تجاري في العالم مع أميركا ولا يسبقه في ذلك سوى كل من كندا ـــ جارة الشمال والمكسيك ــ جارة الجنوب ثم الصين على سنّ ورمح كما يقولون..

ورغم ما تعلنه اليابان وما يسود قطاعات الرأي العام على صعيدها من نبذ فكرة المشاركة مع أميركا (أو التورط) المباشر في المجهودات الحربية والتعبئة العسكرية، إلا أن طوكيو لا تتورع عن بناء.. مجرد بناء قواعد ومراكز لحساب النشاط العسكري الأميركي في أكثر من بقعة في العالم، فيما تفضي المصالح المشتركة بين الطرفين بالعمل على أن تسود بيئة من الأمن في مناطق شرقي آسيا التي تتربص بها قوى أصبحت معلنة وبارزة سواء كانت من الصين أو من كوريا الشمالية أو من عناصر التمرد أو الرفض أو الثورة على الأوضاع في منطقة جماعة الأسيان «رابطة أمم جنوب شرقي آسيا»..

 

المارد الياباني فخر الشرق

 

باتت اليابان اسماً يتردد منذ منتصف القرن التاسع عشر بوصفها بلداً آسيوياً متطلعاً إلى التقدم ومن ثم طموحاً إلى اقتطاف ثمار الحضارة الغربية وخاصة في مجالات التقدم العلمي والإنتاجي وتطوير التكنولوجيا، مع الحفاظ على الأعراف الأصيلة والتقاليد الراسخة في تاريخ اليابان عبر العصور.

وعندما قيض لليابان أن تستجمع إمكانية التحول الحداثي منذ أواخر القرن المذكور، فقد استطاعت أن تبني قوة عسكرية أتاحت لها ـــ كما هو معروف ـــ أن تخوض مع مغيب ذلك القرن، ومع فجر القرن العشرين حربها الأولى التي هزمت فيها روسيا.. حيث ترامت أنباء الانتصار الأخير إلى أوساط العالم العربي التي ظلت تتعامل مع اليابان بمنطق الإعجاب وبخاصة من منظور اعتبارها أمة شرقية بالدرجة الأولى.

ورغم أن تاريخ اليابان المعاصر قد جمع بين عنصريْ المد والجزر، أو هو السلب والإيجاب أو التقدم والتراجع.. فقد جاءت الكوارث الطبيعية التي وقعت على شكل الزلازل ثم موجات التسونامي العاتية في شهر مارس من العام الماضي ومن ثم حادثة التسرب الإشعاعي من مفاعل فوكوشيما النووي الياباني، جاء هذا كله ـــ على نحو ما تتوقع دراسة نشرها ثلاثة من كبار الاختصاصيين الأميركيين ــ بمثابة عامل تحفيز لدفع اليابان إلى توحيد صفوفها وحشد ما تملكه من قوى وإمكانات من أجل معاودة دورها الدينامي الفعال بوصفها واحدة من أهم القوى الاقتصادية، العالمية والإنتاجية في عالم اليوم.

هل تتغير اليابان في الوقت الحالي؟ وما هي أبعاد هذا التغير. ثم ما هي الآثار التي يفضي إليها على فرض حدوث التغير من الأساس؟

تساؤلات ومقولات باتت تشغل حالياًً أفكار الدارسين، الأميركيين بالذات، ممن تساورهم هواجس إزاء صعود المارد «الأصفر» الكامن كما هو معروف في أقصى الشرق الآسيوي من العالم مطلاً بالطبع على مياه المحيط الهادئ.

صحيح أن «المارد الأصفر» مقولة قديمة ومنسوبة إلى الفاتح الفرنسي نابوليون بونابرت (1769-1821) وهو الذي سبق إلى التحذير من «العملاق الأصفر» الذي رآه مستسلماً إلى سبات في أيام بونابرت.. ثم حذر من مغبة استيقاظه على أقدار عوالم المستقبل ومصائرها.

وصحيح أن «بونابرته» كما كان ينطقه المصريون خلال حملته المعروفة على شمال وادي النيل (1798-1801) كان يقصد الصين وشعبها بالدرجة الأولى.. ومع ذلك فقد أصبح بالإمكان إدراج الأصفر ــ الياباني.. مع قرينه ــ وجاره الأصفر الصيني في دائرة التحديات المحتمل أن يواجهها العالم في مستقبل الأيام.

ولقد ظلت اليابان بين حين وحين، ورغم بُعدها النائي عن المواقع المركزية من خارطة العالم.. تجذب اهتمام عالمها.. وخاصة منذ عقود القرن التاسع عشر.. وبالتحديد منذ عام 1854 الذي شهد وصول الملاح الأميركي المغامر «ماثيو بيري» إلى سواحل اليابان حيث استخدم قوة السلاح الحديث أيامها لإرغام حكامها على كسر أطواق العزلة التي فرضوها على بلادهم.

ومن ثم فتح أسواقها أمام تجارة العالم الخارجي، هنالك سقطت صفوة «الشوغن» من حكام اليابان وانفتح الطريق أمام حكم «الميجي» الإمبراطوري الذي كان بشيراً بالوصل بين اليابان وبين الحضارة الغربية، وصولاً إلى الأخذ بأسباب الحادث المعاصرة، سواء ببناء صناعات جديدة واتباع تكنولوجيات متطورة وإنشاء إدارات حكومية محدثة تحت قيادة محاربي فئة «الساموراي» ثم إعلان دستور جديد للبلاد في عام 1889 يقضي بإنشاء حكم دستوري استطاع أن يحقق الاستقرار وأن يبني قوة عسكرية حديثة لليابان التي سرعان ما أثبتت قوتها بانتصارها على الصين في السنوات الأخيرة من القرن 19..

ثم انتصارها على روسيا في حربهما الشهيرة (1904-1905) وقد وصلت أصداء هذا الانتصار الذي افتُتح به القرن العشرون إلى الأعمال الأدبية في العالم العربي شعراً ونثراً.. حيث انتصر مبدعوها وقتئذ لليابان باعتبارها أمة شرقية بحكم التعريف.