ما يجري في المشهد السياسي العراقي من اضطراب بعد انسحاب القوات الأميركية، ينذر بمخاطر داهمة، لا على بلاد الرافدين التي مزقتها الحروب والسياسات الرعناء فحسب؛ بل على المنطقة بأسرها، لما للعراق من ثقل جيوسياسي كبير ومؤثر في مسار الأحداث. وينبغي على الحكمة الغائبة الحاضرة في هذا المشهد، أن تتدارك الأمور قبل أن تخرج وتفلت من عقالها.
التحضيرات التي تجري في بغداد هذه الأيام، والتي دعت إليها الأطراف السياسية العراقية كافة، وتوافقت على شخوص بعينهم، وعلى رأسهم الرئيس العراقي جلال طالباني، للوصول إلى بر الأمان وحلحلة الاختلافات والنزاعات السياسية عبر المؤتمر الوطني المرتقب، تدفع للتفاؤل بمستقبل هذا البلد الشقيق وعودته قوياً وسنداً لأشقائه، بعد أن أنهكته ومزقته الأزمنة الصعبة.
ورغم التفاؤل بشأن توافق القوى السياسية على عقد المؤتمر الوطني في بغداد؛ إلا أن الأنباء القادمة من هناك ما زالت تثير قلقا تجاه تصعيد من هنا أو من هناك من مختلف أطراف الأزمة، وكأن «أيادي خفية» تبث الفتنة كلما توصل قادة العملية السياسية إلى التهدئة. وفي قراءة سياسية تاريخية موازية لأزمات سابقة في شتى أنحاء العالم، مع اختلاف تفاصيلها الدقيقة عن المشهد العراقي، لعل من أولى الخطوات التي يجب أن يتوافق عليها قادة العملية السياسية العراقية، هي إيقاف التأجيج الإعلامي بكافة أشكاله وأنواعه، ومن كل الأطراف، فهذه الخطوة هي بداية الطريق الصحيح نحو حل الأزمة.
والخطوات التي أقدمت عليها «القائمة العراقية» بعودة وزرائها ونوابها إلى جلسات الحكومة والبرلمان، كبادرة «حسن نية» تجاه الأطراف السياسية الأخرى، خطوة إيجابية نحو مشروع توافق وطني على الأساسيات وإن اختلفت التفاصيل، كما أن الوساطة التي يقوم بها بعض الأطراف لنزع فتيل الأزمة، ينبغي أن لا تتوقف عند طرف دون آخر، فالجميع في السفينة ذاتها والمصير ذاته .
عيون العراقيين والعرب معهم، تترقب وتنتظر ما سينتج عن المؤتمر الوطني في بغداد، والكل يحدوه الأمل بتجاوز هذه الأزمة، والعراق قادر على تجاوزها، كيف لا وهو العنقاء التي تقوم من رمادها وتعود للحياة من جديد؟ وصدق سيدنا عمر الفاروق حين قال: «العراق جمجمة العرب وكنز الإيمان ومادة الأمصار ورمح الله في الأرض، فاطمئنوا فإن رمح الله لا ينكسر».