وأنت تجر حقيبتك بين محطات القطار الكثيرة المنتشرة في القارة العجوز، وقد انخفضت درجة الحرارة بشكل كبير، لن يلفت نظرك أكثر من هؤلاء الذين يطالعون الكتب، تراهم وقوفاً أو جلوساً أو على المقاعد الصقيعية في المحطات الباردة يقلبون الصفحات دون كلل، مدركين أن خمس أو عشر دقائق للقراءة قبل وصول القطار كافية لمعرفة الكثير، فما بال المرء عندما يدخلون إلى دفء المقطورة وعندما يطول الطريق، تلك فرصة رائعة لمتابعة القراءة، تلك المتعة التي لن يدركها سوى من يعرفها.
يحتفل البشر بلغتهم عندما يقرؤون بها ويتعلمون من خلالها ويفكرون في تطوير أنفسهم ومجتمعاتهم عبرها، لذلك تأخذ القراءة علامة متقدمة في احتفالية اليوم العالمي للغة العربية، اليوم الذي تم فيه إقرار اللغة العربية لغة عالمية (18 ديسمبر 1973) ..
حيث يمكن التخاطب بها في قاعات المنظمات العالمية والمحافل الدولية، ويمكن للمهتمين أن يلحظوا الكتابة العربية داخل أروقة اليونسكو مثلاً جنباً إلى جنب مع لغات رسمية أخرى كالإنجليزية والفرنسية (لغتا عمل) والصينية والروسية والأسبانية.
بعض الدول ومن خلال لغتها أعطت للقراءة بعداً وطنياً حتى تقدم للأجيال الصاعدة إلهاماً وقدوة من خلال اختيار يوم مولد أو رحيل أدباء كبار مثل شكسبير أو سرفانتس وتسميته يوماً للقراءة أو للاحتفال باللغة، وبعض الدول اختارت رموزاً أخرى شديدة الحضور في الثقافة الوطنية ومنحتها شرف أن يحمل اسمها مناسبة كبيرة مثل يوم القراءة أو يوم اللغة الأم.
وإذا كان تعاظم الاهتمام العالمي باللغات بات قوياً فإن ذلك استجابة لتحذيرات بدأ يطلقها علماء اللغات حول العالم لأن اللغات بدأت تندثر وخاصة تلك التي لا أبجدية لها أي اللغات الشفوية، بعضها لا يعرفها سوى بضعة آلاف من البشر، ولكن كم تشكل تلك اللغة البسيطة إضافة لرصيد المعرفة الإنسانية، وكم ستشكل القراءة حماية للمجتمعات من الذوبان في بحر الآخرين، القراءة التي تقوي المعرفة وتزيد الفهم وتساعد الناس على الاعتزاز بما يؤمنون به أو ينتمون إليه.