لا يستطيع والدٌ على وجه البسيطة أن يحصر فضاء أحلامه فور سماعه لنبأ ولادة مولودٍ له، ولا يمكن لأيِّ قصيدةٍ أو نثرٍ أنْ تصف الشعور العظيم الذي يسري في جسد الأب أو الأم لحظة سماعهما للنداء الأوّلِ لطفلهما فهو أمرٌ مستحيلُ الوصف لأنه باختصارٍ سرٌّ الخليقة التي استمرت به سلالة بني آدم عبر كل هذه العصور، ولم يبالغ الشاعر حطّان بن المعلّى (شاعر إسلامي عاش في صدر الإسلام) عندما قال:

لولا بُنيّاتٌ كزُغبِ القطا

                     رُددنَ منْ بعضٍ إلى بعضِ

لكان لي مضطربٌ واسعٌ

              في الأرضِ ذاتِ الطولِ والعرضِ

وإنّما أولادنا بيننا

                      أكبادنا تمشي على الأرضِ

إنْ هبّتِ الريحُ على بعضهمْ

                       لم تشبعِ العينُ منَ الغمضِ

يكبَر الأبناء والبنات وتكبُر معهم الأحلام والأمنيات في قلوب آبائهم، الذين لا يتركون ذخيرةً إلا بذلوها لمصلحة أبنائهم، وهذا الأمر عفويٌّ لا يحتاج إلى تدريسٍ ولا توجيهٍ، فقد زرعه الله فيهم وجبل عليه الجنس البشريّ كله، فكلهم يحلم أن يرى ابنه واقفاً معه معيناً ومساعداً له على هموم الحياة الكثيرة، وكذلك يريد ليطمئنّ عليه قبل رحيله عنه بأن أدرك راية التفوق أو بلغ السعي معه فمضى في الطريق الصحيح ، وهذا الأمر يصحُّ من وليّ عرش جلالة الامبراطور العظيم إلى (عريش) المزارع الصغير في حقله، فلا اختلاف في هذه الآمال اللهم إلا في اختلاف الدرجات والمناصب والمستويات، ولكنها تؤدي إلى المعنى نفسه.

في دول الخليج العربي عامة وفي دولة الإمارات العربية خاصة، وبعد أن مضى عهد التعب والكدِّ ومخاطر كسب المعيشة من مثل رحلة الغوص على اللؤلؤ بين أسماك القرش ومن دون آلات فيهلك من هلك منهم ويمرض بعضهم، فهم في حالة صعبةٍ وضنكٍ شديدٍ من العيش، رزقنا الله الأمن والنعم الظاهرة والباطنة وصرنا ننافس الدول الكبرى وانتقلت بلادنا إلى حضارةٍ عالميةٍ تبهر كل السائحين ورجال الأعمال، وقد انتشرت الصناعات والشركات وزادت الأعمال، لدرجة أننا أصبحنا نحتاج إلى كل فرد من أبناء الدولة ليساهم في هذه الحضارة، ولنضمن ازدهارها ودوامها نحتاج إلى رفع مستوى التعليم في مدارسنا وجامعاتنا، ثم بعد تخرجهم نقوم برفع درجة جودة أدائهم وبغير هذا فلن يُكتب لنا الاستمرار.

حكومة الإمارات تبذل كل ما تستطيعه لأبنائها وبناتها وهذه مشاهدٌ لا ينكرهُ إلا جاحدٌ مكابرٌ أعماه الحقد عن الحقِّ، ولكنّ الأمر لا يتوقف عند الحكومة المعطية الكريمة بل علينا النظر إلى المُعطى الطالب الذي نعدُّه لمستقبلنا، ماذا يصنع وكيف يتلقّى هذه الفُرص التي لن يحصل عليها في مكانٍ آخر إلا بشقِّ الأنفس وقد لا يحصل عليها؟

وهذا هو سؤالي إلى ولدي أيضاً: ماذا تريد؟ وما هو طموحك؟ وإلى أين سيصل بك التقاعس إن تقاعست عن ركب المجد؟

يا ولدي ليس بلوغ الآمال بالأمر السهل، فأنت تحتاج إلى الصبر والجدّ والنشاط والمواظبة على العلم ومتابعته، فإذا أكملت تعليمك فعليك بالإخلاص في عملك، وترك الدعة وحبّ الراحة فلا خير فيها إذا كنت من أهل المعالي، وإنّك منهم بإذن الله، فلا تركنْ إلى الكسل والخمول ولا تبحث عن صغار الأمور فنحن نحتاجك لكبارها، وأنظر إلى الأعلى لكي أراك تحمل أعلى شهادةٍ في العلوم، وانشغل فيما ينفع البشرية عسى أن أفرح بك وأنت تحمل جائزة كبرى مثل جائزة «نوبل» وأنت حقيق بذلك، وتذكّر قولي:

إنّ المعاليَ لا تأتي على دعةٍ

                 بل دونَ مبلغها ما ليسَ يُحتملُ