*لا نعلم كم عدد تجار الخليج العربي، وإذا علمنا عددهم الكثير، ما شاء الله، فلن يستطيع أحد منا أن يصل إلى الرقم الحقيقي لثرواتهم الموجودة في المصارف المحلية أو الدولية، أو ما كان محفوظاً في سنداتٍ أو غير ذلك، وهي ثروات جمعوها على مدى السنين ما بين ما يسمى أوقات الطفرات السمان وسنوات التقشف العجاف، فهم في كل حالاتهم يكسبون ويجنون ولا يفترون وهذا من باب السعي في الأرض وكسب الحلال الذي أمرنا به الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كانت لديه الأفكار المتجددة والقوة اللازمة لذلك والسيولة المالية التي تجعل المستحيل ممكناً فماذا يعيقه أن يبلغ أعلى درجات التفوق التجاري، ويحصّل منه مالاً ممدوداً ومكانةً مرموقةً في مجتمعه والعالم؟!
*إذا كان المال من نِعَم الله على الناس، والسعي لكسبه واجبٌ لكي لا يتكفّف الإنسانُ الخلقَ يطلبهم الصدقات، ولا يورّث من بعده العالة والفاقة على أبنائه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإنّ في شكره لله المنعم وإنفاقه بما يستطيعه في أوجه الخير والنفع العام دليلاً على علوّ مرتبته وحسن طويته وقلبه الطاهر، فهو لم تنسه الدنيا حقوق الله عليه ولم يطغه المال عن مساعدة المحرومين ولم يعمه الجاه عن رؤية من يجب الوقوف بجانبهم وتراه يسعى ليل نهار لكي يعين من يستطيع إعانته بماله ويده ولسانه، ويقوم أيضاً بمد يد العون لمجتمعه الذي هو سبب نجاحه وثروته، وهو أيضاً ينفق في صيانة المساجد وبنائها ويبني البيوت لمن لا يستطيع البناء وصالات الأفراح، بل يتبرع بدفع ديون الفقراء وهذا ما سيجازى عنه بالإحسان عند الله والذكر الجميل عند الناس وكما قال الحطيئة:
منْ يفعلِ الخيرَ لا يعدمْ جوازيهُ
لا يذهب العرفُ بين اللهِ والناسِ
خميس مشيط مدينة تجارية في بلاد عسير، تبعد عن الرياض ألف كيلومتر جنوباً، وهي رابع مركزٍ تجاري في المملكة السعودية، وكانت تسمى «جرش» في الماضي، ثم سميت «خميس شهران»، ثم سميت باسم أحد شيوخ المنطقة «بن مشيط»، والخميس نسبة إلى سوق يوم الخميس، ما يدلُّك على أنها مكان تجارة منذ القدم.
وتشتهر هذه المنطقة أيضاً بكونها منطقة سياحية يتوافد إليها السعوديون والخليجيون من كل مكان، وفيها مجموعة من كبار تجار المنطقة المعروفين، وقد قام أحدهم بعمل جميل وإحسان كبير تجاه مدرسةٍ حكوميةٍ مديرتها زوجته، كما نقلت ذلك المواقع الإخبارية، حيث قال أحدها والعهدة عليه: «قرر تاجر سعودي تغيير مدرسة زوجته في محافظة خميس مشيط من مدرسة حكومية تابعة لوزارة التربية ذات الطابع القديم إلى نموذج فني للمدرسة الحديثة، فأصبحت أجمل مدرسة. وزوجة التاجر السعودي مديرتها، وقد طلبت تغيير الشكل الداخلي للمدرسة بالكامل في جميع قاعات وخدمات المدرسة مروراً بدورات المياه والمصلى».
قلتُ: لقد بُهرتُ جداً بصور المدرسة وكيف أصبحت قصراً من القصور، وليست مدرسةً حكوميةً قبيحةَ الشكل والمضمون بهمةِ هذه المديرة الفاضلة، ومال هذا المحسن الكريم، وإن صح هذا الخبر أتسائل هنا لماذا لا يقوم تجارنا الكرام بعملٍ مشابهٍ سوف يدخلهم في سعادةٍ غامرةٍ ويُكتب أعمالهم في عليين، والمالُ زائلٌ لا محالة؟!