ليوم الجُمُعَةِ على مرِّ سنوات تاريخنا الإسلامي أحاديث وأخبار كثيرةٌ وعادات مختلفة في البلاد الإسلامية في كل صُقعٍ يُرفع فيه الأذان، وقد دوّن المؤرخون وأصحاب الفتاوى والرحّالة كثيراً مما علموه وشاهدوه من العجائب والغرائب، التي تنتشر في بطون الكتب، وقد وجدت فيها كثيراً من التسلية والمتعة وأنا أقرأها، وأقول: يا أسفا على يوم الجـــمعة كيف كان المسلمون يحتفلون به كأنه عيدٌ وأصبح اليوم يمرُّ ولا نـــــــشعر به كأنه يومٌ لا يختــلف عن باقي الأيام!.

ولهذا سوف أنقل لكم بعضاً من هذه القصص كل صباح جمعة، لعلّ مقالي هذا يسعد من تولّع مثلي بالتاريخ وأهله، ويتسلى به محزون قد جلب عليه الوقت بخيلهِ ورَجِله، فأبدأ وعلى الله التُّكلان بأخبار الجغرافي الرحّالة محمد المقدسي البشاري (380هـ) في كتابه أحسن التقاسيم.

*أما الجبال الشريفة فجبل "زيتا" يطلُّ على بيت المقدس، وجبل "صدّيقا" بين صور وقدس وبانياس وصيدا، ثم قبر "صديقا" عنده مسجد له موسم يوم النصف من شعبان يجتمع إليه خلق كثير من هذه المدن ويحضره خليفة السلطان.

واتفق وقت كوني بهذه الناحية يوم الجمعة في النصف من شعبان، فأتاني القاضي أبو القاسم بن العباس حتى خطــــبت بهم فبعثتهم في الخطبة على عمارة ذلك المسجد، ففعلوا وبنوا به منبراً. وسمعتهم يزعمون أنّ الكلب يعدو خلف الوحش فإذا بلغ ذلك الحدّ وقف وما يشبه هذه من الحكايات.

أما عن الفسطاط (القاهرة اليوم) فيقول المقدسي:

دورهم أربع طبقات وخمس كالمناير يدخل إليهم الضياء من الوسط، وسمعت أنه يسكن الدار الواحدة نحو مئتي نفس. وكنت يوماً أمشي على الساحل وأتعجب من كثرة المراكب الراسية والسائرة، فقال لي رجلٌ منهم: من أين أنت؟، قلت:

من بيت المقدس، قال: بلد كبير أعلمك يا سيدي أعزك الله أنّ على هذا الساحل وما قد أقلع منه إلى البلدان والقرى من المراكب ما لو ذهبت إلى بلدك لحملت أهلها وآلاتها وحجارتها وخشبها حتى يقال كان ههنا مدينة. وسمعتهم يذكرون أنه يصلي قدام الإمام يوم الجمعة نحو عشرة آلاف رجل، فلم أصدق حتى خرجت مع المتسرعة إلى سوق الطير فرأيت الأمر قريباً مما قالوا.

وأبطأت يوماً عن السعي إلى الجمعة، فألفيت الصفوف في الأسواق على أكثر من ألف ذراع من الجامع، ورأيت القياسير والمساجد والدكاكين حوله مملؤة من كل جانب من المصلين، وهذا الجامع يسمّى السفلاني من عمل عمرو بن العاص وفيه منبره. انتهى كلامه.

قلتُ: لو رأى المقدسي القاهرة اليوم، وكيف صارت تغصُّ بالسكان لم يستعجب من سكن 200 نفس في بنايةٍ واحدةٍ من بنايات ذلك الزمن وكذلك يظـــــهر من هذا الخبر أنّ مشكلة الإسكان في القاهرة متأصلٌة من تلك الأيام!

أما عن نيسابور وهي تقع في إقليم خراسان اليوم، فيصف المقدسي الجمعة فيها فيقول: "بنيسابور" رسومٌ حسنة منها مجلس المظالم في كل يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكلُّ من رفع قصةً (طلباً) قدِمَ إليه فأنصفه، وحوله القاضي والرئيس والعلماء والأشراف، ومجلس الحكم كل اثنين وخميس بمسجد رجاءٍ لا ترى في الإسلام مثله. ولوجوه البلد بالغدوات مجالس على أيام الجمعة يجتمع فيها القرّاء يقرأون إلى ضحى. انتهى كلامه.

 

قلتُ: هكذا كانت عظمة السلطنة الإسلامية حيث تخرج السلاطين وحولهم القضاة والعلماء والأشراف فيقضي السلطان أو من ينوب عنه حاجات الناس ويردون المظالم وينصفونهم، وبلغ من هيبة مجالسهم وعدلهم، حتى قال المقدسي عنها إنها لا شبيه لها. فأين هي اليوم نيسابور وإيران وقد أبعدها التعصب عن جامعة إخوتها العرب والمسلمين؟!.