«الجار قبل الدار» كما يقول المثل القديم، وهو نصيحةٌ قديمةٌ لاختيار الجار المناسب الذي سيعاش بجواره، قبل بناء الدار أو استئجارها.
وهذا الحقُّ للباني الأول، ولكنّ من سيأتي من بعده ستكون الإقامة جبراً عليه، وعليه تحمل جاره المزعج الضارِّ، إلا إذا آثر الرحلة وظعن عن مكان ولادته إلى مكانٍ آخر ليبني من جديد ويختار لنفسه.
وهذا يصحُّ على مستوى الأفراد، إذ يمكن العمل بهذا المثل الحكيم، ولكن هيهات هيهات أن تستطيع دولة أن تختار من يجاورها من الدول، سواء أكانت صديقةً أم عدوة، فالأمر لازبٌ لا تستطيع الدول أنْ تغيّر موقعها على الخارطة، وعليها أنْ تتخذ خطواتٍ حاسمةٍ في هذا الموضوع العظيم الذي لا يمكن التغافل عنه لحظةً من الزمن ألا وهو الأسلوب الأمثل للتعامل مع دول الجوار، وإلا وجدت هذه الدول من الزمانِ ما لا تحمدُ عقباه.
إذا علمنا أنّ الدول كافةً في حاجةٍ وضرورةٍ ملحّةٍ لاتباع نهجٍ قويمٍ في التعامل مع جيرانها الأصدقاء والأعداء، وكذلك الحال مع الدول التي ترتبط معها بعلاقاتٍ واتفاقياتٍ، فلا بدّ أن تقوم بتأسيس معاهد دراسات مخصصة لفهم دول الجوار، وتزداد أهميتها بأهمية علاقاتها معها، الحسنة أم غير ذلك، لكي تعرف كيفية التعامل معها.
وهذا ما تقوم به بل تحرص عليه أشدَّ الحرص الدولُ المتحضرة أو ذات النفوذ في العالم، أو الدول التي تبحث عن سبل تطوير اقتصادها ومكانتها العالمية، فهي تؤسس معاهد الدراسات، وكذلك تشجع الجامعات والهيئات غير الحكومية لتبنّي مثل هذه المشاريع، وتقوم بمدها بما تحتاج إليه من تمويل وخبرات ووثائق.
من يبحث في شبكة الإنترنت سيجد كثيراً من المراكز والمعاهد والمجلات المخصصة لدراسات الشرق الأوسط، ودول الخليج خاصة، بل سيتعجب الباحث بعدد المراكز في أوروبا والولايات المتحدة عن «إيران» مثلاً، وفي شتى المجالات السياسية والاقتصادية والتاريخية والفنية، بل هناك تقريباً آلاف العلماء المتبحرين في التاريخ الإيراني وفي فنونها ولغتها وأديانها وعلاقاتها، وقد جرى بهم نهَرٌ من المعلومات لا ينضب لقادتهم وحكوماتهم وشركاتهم الكبرى، وكلٌّ في اختصاصه. ولا داعي أن أسرد لكم قائمة هذه المعاهد وأسماء العلماء، فما عليك إلا أن تسأل «غوغل» وسوف تجد ما يهولك ويذهلك!!
في تلك البلاد البعيدة، لا يواجه السياسيون والاقتصاديون معضلةً في معرفة وتحليل الخطوات الإيرانية سلباً أم إيجاباً، وكذلك يستطيع هؤلاء تكليف هذه المعاهد لدراسة الجديد من الموضوعات لاتخاذ القرار السليم المناسب حيالها، وإن أرجعت بصرك مرتين في الخارطة العالمية ستجد هذه الدول بعيدة جداً عن إيران، ولكنها المصالح وحمايتها، ولا يلامون على ذلك. وإن كانوا هم كذلك فما تظنون الدول التي في جوارها صانعةً، ولا مناص من ذلك ما بقي الجديدان (الليل والنهار)، كمثل دولتنا المحروسة الحبيبة؟!
وعلى ما قدمته، أتخلص إلى هذه النتيجة الواحدة، وهي أننا بحاجةٍ إلى تأسيس معهد أو مركز للدراسات الإيرانية وعلى وجه السرعة، يقوم بالأعمال التالية:
أولاً؛ الدراسات التاريخية لإيران، وخاصة ما يتعلق بالخليج ومناطق نفوذها.
ثانياً؛ إقامة المؤتمرات حول الآداب الفارسية ومحاولة التعرف إلى فارس، والتقريب بين الشعبين الجارين في الثقافة والفنون.
ثالثاً؛ متابعة الأحداث في إيران وتحليلها بما يفيد أصحاب القرار.
رابعاً؛ دعم تعلم اللغة الفارسية لدى أبناء الإمارات، فقد قيل: من تعلم لغة قوم أمن مكرهم. وكم تألمت منذ أيام وأنا أستمع إلى إحدى إذاعاتهم، والمذيع يكرر اسم جزيرتنا المحتلة «أبو موسى» ولا أستطيع فهم ما يقوله.
هذا وهناك مقترحاتٌ أخرى لهذا المعهد الذي أتمنى أن أشهد تأسيسه قريباً، لأنه يحزنني أن أجد مراكز إيرانية مخصصة عنا وخبراء، ولا أجد خبيراً منا في تاريخ إيران وشؤونها الاستراتيجية!!