أسماء المواضع في البلدان العربية من المعضلات التي يواجهها الجغرافيون العرب في الحاضر والماضي، ومن تتبع أقوال الأوائل فيها وجدها عجيبة، فمنها ما عُرف معناه وأصل اشتقاقه وسبب تسميته، ومنها ما تم تفسيره حسب المعاني التي تخطر على ذهن الشارح الجغرافي، ومنها ما تعذّر عليهم فسكتوا عنه، وقد تجد بعض هذه الاشتقاقات غريبة كما قال علامة الجزيرة حمد الجاسر، رحمه الله (1910-2000م)، في إحدى مقالاته في مجلته «العرب» في معرض كلامه عن معجم البلدان لياقوت الحموي:

«حتى انتهتْ بي سياحتي إلى قناعةٍ بأنّ هذا الجانب من جوانب الدراسات الجغرافية المتعلق بتعليل أسماء المواضع القديمة لا يصحُّ الوقوف فيه عند ما خلفه لنا سلفنا الصالح من متقدمي العلماء، بل لا يزال في حاجة إلى دراساتٍ أكثر عمقاً، وأوسع أفقاً، فمجالات المعرفة قد اتسعت، وآفاق العلوم أصبحت غير محدودة بزمان أو مكان، فهي تزداد وتتجدد في كل لحظة».

قلتُ: إذا كان حمد الجاسر يعترف بأنّ علم اشتقاق أسماء المواضع القديمة يحتاج إلى إعادة نظر وإلى دراسات حديثة تبيّن لنا وجه الحقيقة الغائب عنا، وهو من هو علماً ودرايةً في هذا العلم النادر الذي لم يسبر أغواره إلا القليل من العلماء على مر التاريخ، فماذا نقول في المواضع التي لم تذكر في مرجع قديم ولا لهج بأسمائها علماء اللغة الأولون مثل اسم منطقة الشندغة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم.

الشندغة مفردة لم ترد في المعاجم العربية بهذا اللفظ، مما يدلُّ على أنّ المفردة حُرّفت أو أُبدلت حروفها، وكذلك لم تُذكر في المعاجم الجغرافية، مما يجعلها مفردةً وحيدةً ليس لها شبيه في أسماء المواضع، ولهذا يحثنا العلم على البحث عن المفردة ومحاولة الوصول إلى معناها واشتقاقها عن طريق الأخبار أو اللغة أو ما يناسب الاشتقاق من شكلٍ أو نبات أو حيوان أو غير ذلك مما جعل الناس يطلقون هذا الاسم عليها، ومن باب الطرائف أني كنت يوماً في منطقةٍ في لشبونة فقلت لمضيّفي ما اسم هذا المنطقة فقال: «كشكاش»، وقال لي إنه اسم عربي، فأثار هذا الاسم رغبتي لمعرفة أصله فوجدت بعد دراسةٍ أنّ هذه المنطقة سُمّيت على حيّةٍ تكثر فيها يسميها العرب الخشخاش، وقد استفدت فائدتين من هذه المعلومة وهي: أني عرفت شكل الخشخاش وعلمت سبب تسمية هذا الموضع.

ومن بحثي منذ سنوات طويلة في اشتقاق الأسماء وجدت هذه النتائج حول الشندغة، ولا أقول إنها صحيحة صحة يقين، ولكنها الأقرب إلى التعليل الصحيح فأقول:

أولاً: الشندغة أصلها بالقاف وليس بالغين، لأنه لا يوجد في العربية شدغ أبداً، وعلى هذا يكون النطق القديم لهذه المفردة شندقة، وقد تم إبدال القاف غيناً كما هي عادة أهالي هذه البلاد.

ثانياً: الشندغة تقع في إمارة دبي وهذه المنطقة عربية الأصل بلا شك ، فلا يصح أن تكون المسميات فيها إلا عربية، ولا يعقل أن يسمي العرب مواضعهم بأسماء أعجمية، إلا إذا كانت المنطقة تقع في بلاد الأعاجم، فهذا لا غرابة فيه كما هو معروف وقد قام العرب الفاتحون بتعريب كثير من هذه الأسماء الأعجمية، وأطلقوا كذلك أسماء عربية على بعض المواضع الحديثة التي تجدون أمثلة عليها في معاجم البلدان ولا يسعنا ذكرها هنا.

وللحديث بقية غداً، إن شاء الله.