البردة هي بردة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي وهبها كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه بعد أن أنشده قصيدته المشهورة التي اعتذر فيها باعتذارٍ بليغٍ جميلٍ أعلت كعبَ كعبٍ على غيره من الشعراء إلى ما شاء الله ومنها:
نبئـتُ أنّ رســـولَ الله أوعـدني والعفو عند رسول اللهِ مأمولُ
مهلا هداكَ الذي أعطاكّ نافلةَ القرآنِ فيه مواعيظٌ وتفصيلُ
ثم قال:
إنّ الرسولَ لنــــورٌ يستــضاءُ بهِ مهنّدٌ من سيوفِ اللهِ مسلولُ
روى ابن الأنباري أنّ كعباً رضي الله عنه لما وصل إلى هذا البيت رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه بردةً (عباءة) كانت عليه، وأنّ معاوية رضي الله عنه بذل له فيها 10 آلاف درهم فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحداً، فلما مات كعب أخذها معاوية من ورثته بعشرين ألفاً وتوارثها الخلفاء من بعده، ويقال إنها احترقت في زمن غزو المغول.
وقد اختلف كثيراً في صحة قصيدة كعب بن زهير فلم ترو هذه القصة بإسناد قوي ولكن ابن كثير يقول: إنها مشهورة وهذا مما يجعل لها أصلاً، وهي بلا شك قصيدة عصماء من عيون الشعر العربي وزادها بهاء أنها في مدح خير البرية حبيبنا وشفيعنا الهادي الأمين. وقد جاء من بعده بقرون الشيخ الشاعر البوصيري (669هـ).
وكان مريضاً أصيب بالشلل النصفي فكتب قصيدته وجعل ينشدها ويرددها حتى رأى رسول الله في منامه فمسح على وجهه ورمى عليه البردة فقام من نومه معافى وكأنه لم يكن به داء فسمى قصيدته العظيمة التي أعدُّها من أجمل ما كتبه البوصيري ومن أرقى قصائد المديح النبوي وأكثرها انتشاراً، وإذا ذكرت البردة اليوم فلا يعني بها إلا بردة البوصيري رحمه الله ومطلعها:
أمنْ تذكر جـيرانٍ بذي ســـلَمِ مزجتَ دمعاً جرى منْ مقلةٍ بدمِ
ثم جاء في القرن الماضي أمير الشعراء أحمد شوقي فعارضها بقصيدةٍ لا تقل عن قصيدة البوصيري بل في تقييمي قد تفوقها في بعض أبياتها وسماها "نهج البردة" وفي مطلعها يقول:
ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعلَمِ أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحُرُمِ
جائزة البردة
تخليداً لروائع المدائح النبوية ولذكرى هذه القصائد التي تسلب الألباب التي بدأها كعب رضي الله عنه ورفع شأنها البوصيري وجددها شوقي بمعارضته الرائعة، أُسّست جائزة البردة، التي تعد فريدة من نوعها في العالم الإسلامي ويتسابق الشعراء كلّ سنة في كتابة أجمل المديح في المصطفى صلى الله عليه وسلم وكانت بدايتها سنة 2004 .
وتشرف عليها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات، ويرعاها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، حفظه الله تعالى، وقد احتفلت الجائزة مؤخراً بموسمها التاسع وسط حضور كبير وحاشد وددت لو أني كنتُ من الحاضرين.
كلمة جميلة
كان من المشاركين في هذا الاحتفال الشيخ عبدالله فدعق المكي الشافعي من ذرية علماء وأئمة في الفقه الشافعي، وهو يسير على طريقهم ويعتمد النهج الوسط في التعامل مع الأمور المختلف فيها. يعجبني الهدوء الذي يتحلى به وأسلوب الحوار الراقي المميز وابتعاده عن الذي يكدر صفو العلم وقد تطرق لموضوع المولد الشريف بموضوعية،.
ولم يجرح طائفة ولم يدخل نفسه في مستنقع الخلافات التي لا تفيد أمة ولا تصلح معوجاً بل تزيد الأمور سوءاً والقلوب ضغينة وقد ذكر في آخر ما قاله: إنه ينبغي علينا تحويل السيرة النبوية إلى واقعٍ يمشي على الأرض فلا قتل ولا هدم ولا تكفير ولا تفسيق ولا غيبة ولا نميمة، فكل هذا ينافي الشريعة التي جاء بها رسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم. قلت: هكذا يكون العلم والعلماء والدعاة.