التبرع بالأعضاء موضوع كبير لا يعرفه إلا المحتاجون إليه المتوقفة حياتهم على إحسان المتبرعين الكرماء الذين دعاهم واجب الإنسانية إليه وما أكثرهم عند التحفز له أول الأمر وما أقلهم إذا اقتربت العملية حيث يتراجع أكثرهم!! ولا يلامون في ذلك فإن وقع اسم العملية والتخدير والبقاء في المستشفى يكفي لإضفاء الخوف والرهبة من هذا الموضوع على النفوس السخية ولو كان فيه حياة نفس مسلمة، وكذلك التبرع بالأعضاء بعد الوفاة هذا من الأمور الذي لا نتحدث عنها فيما بيننا وذلك لشدة حرص المسلمين على حرمة موتاهم وعدم المساس بهم وإن كان فيه حياة لمسلم آخر، ومن العجيب أنه أجيز من العلماء المسلمين منذ 1988 في مجمع الفقه الإسلامي الذي عقد في جدة ولكنه ظل حتى الآن مجرد أوراق لا تطبق إلا بعد اللَّتيَّا والتي لأنّ المسلمين في خوفٍ وتهيّبٍ من ذلك وحُقّ لهم، ولكنّ المريض المسلم المحتاج أليس له حقٌّ في الحياة أيضاً؟

يعاني أحدُ الأخوة الأفاضل -الله يعافينا وإياكم- من تلفٍ في كبده منذ فترةٍ، الآن ولم يجد متبرعاً يتبرع بجزء قليلٍ من كبدهِ لا من عائلته ولا من الخارج والعملية صارت سهلة في هذا الوقت وقد التقيت أحد أصدقائي من أشهر في تركيا قد تبرع له ولده بجزء من كبده وهو وولده في صحة وعافية الآن مما يدل على أنها ليست خطيرة كما يتوهمه البعض، ولكن هذا الأخ المريض أُرسل إلى ألمانيا وبقي هناك لأكثر من 3 أشهر بلا فائدة حيث إن المتبرعين من أهله وغيرهم يتراجعون عن هذا الأمر في آخر لحظة، وكذلك قوانين التبرع بالأعضاء في أوروبا صعبة جداً وتزيد الصعوبة إذا لم يكن المتبرع من أهله ويخضع إلى تحقيق نفسي حيث يعرض على لجنة تفحص نفسيته ويسأل بعض الأسئلة وهذا إجراء روتيني للتأكد من أنّ المتبرع لم يخضع لابتزازٍ أو أنّه يفعل ذلك من أجل المال لحاجته إليه الماسة أو أنه مختل عقليا ثم بعد التأكد من أهليته للتبرع تجرى العملية، أما بنك الأعضاء إذا صحت التسمية فهي أعقد من ذلك حيث لأوروبا بنك واحد تقدر الحالات حيث أهميتها ويتم إدخال المرضى في قائمة انتظارٍ طويلةٍ ولا أحد يعلم متى يحصل المريض عليها كما ذكرت في قصة مروج العنوبسي التي انتظرت 5 سنوات في مستشفى ميونخ حتى زرعت لها رئة!! .

إذا كان الغرب قد انتهى من موضوع نقل الأعضاء ووضع لها قوانين صارمة منذ زمن بعيد وهم لا يعترفون بدينٍ بل الأمر عندهم لا يعدو ما تقره البرلمانات المنتخبة فإن لدى المسلمين أحكام شرعية لا يجوز التلاعب بها ولهذا اختلف العلماء في موضوع نقل الأعضاء فمن محرّمٍ ومن مجيزٍ مطلقا من حيٍّ لحيٍّ ومن ميّتٍ مسلم أو غير مسلمٍ لمسلمٍ محتاجٍ ضرورةً أو غير ضرورةٍ، ولكن خروجا من الخلاف الذي لا يفيد والتشدد الذي في غير محله فقد قامت المجامع الفقهية وكبار العلماء بتبيين الأمر وتفصيله حسب ما يتوافق مع الشريعة وحاجة البشر في آنٍ واحدٍ ويمكن اختصار أبحاثهم وهي كثيرة في الآتي :

" يجوز التبرع بالأعضاء بشرط أن لا يتضرر المتبرع المنقول منه وأن يكون فيه مصلحة للمتبرع له وأن يكون بالإختيار والرغبة بدون إجبار أو إكراه ويجوز أيضا نقل الأعضاء من ميت بشرط التأكد من أمن الفتنة وفائدة المنقول إليه".

إني أطالب جميع الدول العربية والإسلامية من أن تتبنى قراراً جماعياً لعمل بنكٍ متعدد الفروع للأعضاء فنمنع به التجارة بها ونقلل نسبة التعرض للعمليات الإجرامية مع عمل حملاتٍ إعلامية بأهمية التبرع للمحتاجين، فما رأيكم أيها الأعزاء؟