لعلّ بعض الأخوة الأعزاء ممن قرأ مقالي بالأمس ظنّ أني أنتقد القضاة أو أعرّض بهم وفي الحقيقة ليس لهم مني إلا كل التقدير والاحترام ولكني كنت أحثّ في المقال قضاتنا الجدد قبل أن يتقدموا لهذه المهمة العظيمة أن يفكروا فيها ألف مرة لأنها أمانة عظيمة سوف يسألهم الله عنها إن أخذوها وهم ليسوا بأهلٍ لها، ولم أكن أقصد أنّ القاضي يجب أن لا يتقاضى راتباً وإنما أعني ليس القضاء وظيفة كأيِّ وظيفةٍ أخرى وإن نال القاضي راتباً آخر الشهر فإنما هو لتفرغه له وإلا كيف يعيش الذي يعمل في السلك القضائي؟!.

*للقضاء مكانته العظيمة في الحياة ففيه تحفظ الدماء وتراقُ وفيه تردّ الحقوق وفيه أيضا قد تضيعُ ولولا هذا الأمر لما اهتمّ العالم بالقضاء ولما نزلت الشرائع ووضعت القوانين العصرية وافتتحت الكليات والجامعات من أجله، وأصحابه لهم مكانتهم في المجتمعات جميعا وخاصة في الإسلام والله تعالى يقول:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" ، " قلْ أمر ربي بالقسط" وغيرها من الآيات الكريمة وكذلك وردت أحاديث كثيرة في القضاء يجب علينا أن نتدبر فيها مثل حديث " قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة " وخاصة هذا الحديث لأنه يشعرني بالخوف كلما قرأته وهو الذي أبعدني عن سلك القضاء في صغري مع أني كنت أحب معرفة الأحكام ودرست جزءاً من العاصمية وهي منظومة قديمة في القضاء من تأليف ابن عاصم الأندلسي القاضي وتسمى " تحفة الحكام" وكان في مقدمتها :

 

وإنني أسألُ منْ ربٍّ قضى

                      بهِ عليَّ الرفقَ منهُ في القضا

 

والحملَ والتوفيقَ أنْ أكون

                             منْ أمّةٍ بالحـقِّ يعـدلونَ

 

حتّى أرى منْ مفردِ الثلاثهْ

                           وجنّةَ الفردوسِ لي وراثه

 

ولكني خفت من هذا الحديث جداً ووجدت أني أقلُّ من أن أدخل هذا المجال على كثرة دراستي عند العلماء لكتب الأصول والفقه وخاصة في المذهب المالكي.

* في زمن طلبي للعلم كنت أتردد على الشيخ القاضي محمد التندي وهو من القضاة الأزهريين المصريين القدامى في دولة الإمارات، رحمه الله، ثم انقطعت عنه لفترة، وقد التقيته وأنا في المدينة فقال لي : لماذا لا تدخل في كلية الشريعة والقانون لأنّ دولتك محتاجة لقضاةٍ مواطنين؟ فقلت: لولا حديث، قاضيان في النار، لدخلت الكلية ولكني أخشى على نفسي، ولم يعجبه ردي ورآه هروباً، رحمه الله تعالى، والحقيقة التي أقول بها اليوم بعد مرور كل هذا الزمن إنّ كل من يرى في نفسه الأهلية فليتقدم ولا يتردد وليجعل القضاء طريقه إلى الجنة .

* عقدت منذ مدة في مكتبتي مجلساً عن تاريخ القضاء في الدولة وخاصة في دبي وقد تحدث فيها أخي المستشار المؤرخ إبراهيم بوملحة وله بحث جميل في هذا الموضوع والجلسة موجودة لمن أرادها في محرك البحث لجريدة البيان وكذلك قد أفردت حلقاتٍ في برنامجي الرمضاني "الراوي" عن سير بعض القضاة المصلحين في الإمارات من أمثال الشيخ أحمد بن حسن والشيخ مجرن بن محمد الكندي والشيخ بن محارب المطيري الكويتي والشيخ محمد بن غباش والشيخ مبارك الشامسي، رحمهم الله جميعاً.