ليست مجرد صحيفة

ثبت بما لا يدع مجال للشك أن تاريخ الأمم والشعوب لا تخبرنا به كتب التاريخ فحسب لكن أيضا من الوقائع اليومية للناس ورصد يومياتهم، كما إن هناك ارتباطا جليا بين تنامي الحالة الإعلامية وازدهار الشأن الثقافي وارتقاء الكلمة وبين تمدد الحالة الحضارية باعتبار أنها أوعية لحالة قائمة غنية بما يمكن أن يجعلها تستمر وتبقى.

كما إنها مساهم في تنامي ذلك الواقع وتقدمه، كما إن الأوعية الإعلامية بكافة أشكالها تساعد على تنمية الحالة الثقافية للشعوب لأنها أدوات كاشفة للقدرات التي لولاها لما.

وجدت القنوات التي تعبر من خلالها عن نفسها جاذبة لها وملهمة للأجيال من بعدها، في الوقت الذي تكتمل فيه مهنة العمل الصحفي حلقاتها بباقي الفنون الصحفية مثل الكاريكاتير والرسم والتصوير والتصميم، وهو من شأنه أن يحدث انتعاشاً للعديد من المهارات المتعلقة بتجويد العمل الصحفي.

الأمر الذي جعل السبق للصحافة بين العديد من وسائل الإعلام، وجعل من فنونها الأصل للعديد من الفنون الإذاعية أو التليفزيونية، كما إنها كانت عبر تاريخها الجسر الذي أمد وسائل الإعلام التي تلتها بالكفاءات المهنية التي مارست العمل الإذاعي والتليفزيوني وغيرهما.

ولأن الأمر على هذا النحو ولأن قادة الإمارات ومؤسسي دولة الاتحاد كان لديهم وعي شديد بالدور الذي تقوم به الصحافة في مجتمع ينهض بسرعات غير مسبوقة كان اهتمامهم بوسائل الإعلام على اختلاف أشكالها والصحافة في موضع القلب منها.

وكانت صحيفة «البيان» إحدى تجليات تلك الرؤية بصدور العدد الأول منها في العاشر من شهر مايو 1980، بموجب قرار الشيخ راشد بن سعيد - طيب الله ثراه - لتحل محل «أخبار دبي»، وكأن «البيان» أخذت من اسمها نصيبا حين أصدرت بملامح تميزها عن غيرها من الصحف الموجودة في ذلك الوقت، فاهتمت بالشأن المحلي بالدرجة الأولى.

كما خصصت من صفحاتها للشأن الاقتصادي مساحة أكبر وأفردت له قبل أن يتسع نمط الصحف المتخصصة ولم تسع إلى الضربات الصحفية فكان الوثوق من مصدر الخبر يأتي في المرتبة الأولى، والشاهد تاريخها الذي يندر فيه الاعتذار أو النفي.

والحق أن المتتبع لتاريخ «البيان» يجد أنها قد مرت بمراحل تطور متعددة استطاعت فيها أن تجدد دماءها التحريرية في الوقت الذي حافظت فيه على هويتها ورسالتها باعتبارها صحيفة الجمع الكبير من القراء، المصداقية شعارها والشفافية تقع في القلب من ممارستها، وفتحت صفحاتها لمن يعرفون قيمة الكلمة.

ويدركون دور الصحافة التنويرية في المجتمع. لم تسع يوما إلى مجد زائف يبنى على دغدغة مشاعر القارئ واللعب بعواطفه، كما لم تسع إلى تحقيق أهداف قطرية ضيقة مع التضحية بمصالح أمتها العربية، بعدت عن اللعب على وتر الإعلام الشعبوي في الوقت الذي كانت فيه قريبة مما يريده القارئ الذي ينتظرها كل صباح لتلبي احتياجاته، لم تسع إلى تقديم الإثارة على حساب الأهمية والدور، ولم تهبط بلغتها أو مضمونها، فاكتسبت احترام القارئ والمتخصص على مدار أربعة عقود زاد خلالها ارتباط القارئ بها حتى باتت مطالعتها جزءاً أساساً من يومه.

استطاعت «البيان» الحفاظ على التوازن بين المحلية والعالمية، فزخرت صفحاتها بالانفتاح على العالم أحداثا وثقافة وفكرا، وحضر على صفحاتها علامات من كبار الكتاب في العالم، في الوقت الذي فتحت أبوابها بقوة للمواطنين في كافة مراحل العمل الصحفي، فكانت النافذة التي أطل منها أبناء الوطن على العالم إلى جانب المحترفين للعمل الصحفي بمعناه الحقيقي من أبناء شعوبنا العربية.

فضلا عن ذلك كان مواكبة التطور التقني حاضرا دائما عبر تحديث مطابعها وأسلوب إخراجها واعتماد أحدث أشكال توصيل المعلومة إلى القارئ بسهولة ويسر.

وفي الوقت الذي جاء فيه الوافد الجديد من الإعلام الجديد أو الإعلام البديل بكافة أشكاله والذي هدد أركان الصحافة الورقية حيث لم يعد القارئ متلقياً للرسالة الإعلامية فحسب بل متفاعلا معها ومشاركا في صناعتها الأمر الذي أصاب قطاعا كبيرا من المؤسسات بضبابية الرؤية حول ما ينبغي القيام به.

إلا أن «البيان» لم تقف أمام هذا الحالة طويلا فدخلت المعترك المهني حين بادرت كعادتها إلى دخول النشر الإلكتروني وفتحت بوابة على شبكة الإنترنت عام 1998 وكان لها بذلك قصب السبق على المستوى العربي، كما دخلت مجال الصحافة الإلكترونية عام 2003 وجمعت بذلك بين الإصدار الورقي والإلكتروني.

الذي تم تطويره لأكثر من مرة محدثا زيادة ملموسة في تواجد الصحيفة وعدد قرائها ما جعلها من الصحف العربية الأكثر حضورا على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن البيان كانت ولا تزال شاهداً على قصة بناء وتطور وطن لم تكن فيه ناقلة بل مساهمة توعية وتثقيفا وتحفيزا، سبعة وثلاثون عاماً ولا تزال كالمعدن النفيس يزداد قيمة بمرور الأيام.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon