عشيّة التسوية السياسية للأزمة السورية

أصبح مزيج الأمر الواقع على أرض سوريا، صراعات محلية وإقليمية ودولية، وحالات من الحرب الأهلية والعنف السياسي والطائفي والإثني، إضافةً إلى وجود قوى تُمارس الإرهاب الدموي، وتهدّد وحدة الشعب السوري، وأصبحت كل سوريا أمام خطر الانزلاق إلى التشقّق وتفكيك الكيان والدولة والمجتمع.

ولعلّ هذا المزيج السيئ من واقع الصراعات واحتمالات نتائجها، ما يجعل نيران الحرب السورية مصدر خطر كبير أيضاً على الدول العربية المجاورة لسوريا، بل على كلّ دول المنطقة، إضافةً إلى مخاطر انتشار عناصر الجماعات الإرهابية في العالم كلّه.

ولم تكن هذه المخاطر كافيةً وحدها إلى دفع الدول الكبرى، وفي مقدّمها الولايات المتحدة وروسيا، للسعي الجاد لإنهاء الحرب السورية، ما لم تكن مصالح هذه الدول تتعرّض للضرر من جرّاء استمرار الأزمة.

لذلك، كان اللقاء الأخير بين وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مع نظيره الروسي، لافروف، في روما يوم 2 ديسمبر، هو مقدّمة مهمّة لما صرّح به وزير الخارجية الروسي يوم 5 ديسمبر، عن أمله «في التوصّل قريباً إلى اتفاق روسي أميركي، ينهي قضية حلب، وينصّ على خروج جميع المسلحين من المدينة».

وقوله أيضاً: «إنّ لدى موسكو ما يبعث على الأمل في نجاح الجهود الروسية الأميركية من أجل إنهاء قضية حلب، وإعلان وقف إطلاق النار هناك، وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين».

طبعاً، التوصّل إلى حلٍّ لما تعانيه مدينة حلب، سيكون متزامناً مع إعادة إحياء مفاوضات جنيف، وفق المضامين التي وردت في قرار مجلس الأمن 2254، وبحيث يكون التركيز العسكري بعد ذلك، على مواجهة جماعات التطرّف (داعش والنُصرة)، المصنّفة في قرار مجلس الأمن، بأنّها «قوى إرهابية».

وما سيجعل الأمر مختلفاً الآن عن الاتفاق السابق بين كيري – لافروف في سبتمبر الماضي، هو ما حدث على الأرض من انتصارات عسكرية حقّقتها الحكومة السورية وحليفتها روسيا، حيث أصبحت المنطقة الشرقية من حلب، ممهّدة كلّها لصالح القوات الحكومية السورية، وبالتالي، فإنّ خروج المسلّحين المعارضين من حلب، أصبح بحكم الاضطرار، وليس بالخيار المرغوب به أصلاً.

إنّ الاتفاق الأميركي- الروسي بشأن مصير حلب، سيدفع قُدماً بصيغة التسوية السياسية لأزمة سوريا، التي هي قضيةٌ حاضرة الآن في كلّ أزمات المنطقة، وحيث مصير الحرب المشتعلة فيها، أو التسوية المنشودة لها، هو الذي سيحدّد مصير الأزمات الأخرى.

كذلك، فإنّ استمرار الحرب، يعني استمرار التأزّم مع موسكو، ويعني مخاطر حرب إقليمية، تشترك فيها إسرائيل وإيران ولبنان والأردن والعراق، إضافةً إلى التورّط التركي الكبير الحاصل في الأزمة السورية، ما قد يؤدي إلى تورّط «الناتو» عسكرياً، وهو أمرٌ لا ترغب به ولا تقدر عليه الآن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون.

وبعد ستّة أعوام تقريباً من المراهنات العسكرية في الأزمة السورية، فإنّ هذه المراهنات قد وصلت إلى طريق مسدود، إذ لم تنجح الحكومة السورية كلّياً في إنهاء الأزمة من خلال حلّها الأمني الذي اعتمدته حين حدوث الحراك الشعبي السوري.

كما لم تنجح قوى المعارضة التي اختارت عسكرة هذا الحراك الشعبي، في إسقاط النظام، بل إنّ خيارها هذا أدّى إلى تصعيد العنف، وإلى فتح أبواب سوريا أمام قوى مسلّحة متطرّفة ومنبوذة عربياً وإسلامياً ودولياً.

أيضاً، لا خيار أمام إدارة أوباما الآن، إلّا السعي لتحقيق تسوية سياسية للأزمة السورية، إذ ليست واشنطن بوارد التدخّل العسكري المباشر فيها، ولا هي تثق بمصير السلاح الذي يمكن أن تقدّمه لبعض قوى المعارضة السورية في حال انعدام التسوية.

وقد أدركت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، أنّها لم تنجح في توظيف الأحداث الداخلية في سوريا، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه بسياسات العزل والعقوبات في العقد الأول من هذا القرن، من دفع دمشق إلى تغيير تحالفاتها الإقليمية والدولية، خاصّةً لجهة العلاقة القوية مع موسكو ومع طهران.

فقد كانت سياسة واشنطن، في فترتيْ إدارة بوش الابن، ساعيةً إلى تغيير سلوك الحكم في دمشق، أكثر من اهتمامها بتغيير الحكم نفسه، إذ إنّ معيار المصالح الأميركية، هو الأساس بغضِّ النّظر عن طبيعة الحكومات هنا أو هناك.

صحيح أنّ العقبة الكبرى أمام أي صيغة تسوية سياسية جادّة للأزمة السورية، هي في جماعات التطرّف المسلّحة على المستوى الداخلي، وإسرائيل ومن لديها من عملاء أو حلفاء على المستويين الإقليمي والدولي، لكنّ الظروف تتغيّر الآن، كذلك هو واقع القوى العسكرية على الأرض، ومواقف الحلفاء الإقليميين. لذلك، فإنّ معالجة الأزمة السورية هي أولويّة لدى الرئيس أوباما، وقبل موعد رحيله عن «البيت الأبيض» في نهاية الشهر القادم.

أميركا تحتاج إلى دعم موسكو في الملفّ السوري، كما احتاجته في الملفّ النووي الإيراني، رغم الخلاف الكبير بين الغرب وروسيا حول المسألة الأوكرانية. فليس أمام واشنطن الآن بدائل مفيدة للمصالح الأميركية، في حال فشل مشروع التسوية السياسية للأزمة السورية.

أي هل سيكون الخيار البديل، هو مزيدٌ من التصعيد العسكري في سوريا، تحصد نتائجه روسيا أو قوى التطرّف الأكثر فعالية وسط المعارضة السورية، والتي تسعى للتمدّد إلى دول أخرى، كلبنان والأردن وباقي دول المنطقة؟.

وهل لواشنطن وموسكو والقوى الإقليمية الكبرى، مصلحة في تعاظم خطر الإرهاب «الداعشي» على العالم كلّه؟!. لا أرى أنّ هناك مصلحة أميركية وروسية وعربية في استمرار التأزّم الأمني والسياسي الحاصل في سوريا وعموم أزمات المنطقة. إسرائيل وحدها مستفيدة الآن من الحروب الأهلية العربية، ومن التجاهل الدولي والعربي الجاري الآن للقضية الفلسطينية. وإسرائيل فقط، ومن معها في الأوساط السياسية الأميركية، هي التي ترغب بتغيير خرائط المنطقة وتفتيت كياناتها الراهنة.

 

Happiness Meter Icon