الشتات الإخواني من لندن إلى غراتس

هل حان زمان الدياسبورا الإخوانية حول العالم؟ وكلمة دياسبورا باللغة اليونانية القديمة تعني الشتات، وتطلق عادة على الشعوب التي تعرضت للعنات القدر وهجرت من مواطنها لأسباب قسرية، ومن أقدم الأمثلة التي عرفتها البشرية عن الشتات، يأتي اليهود في المقدمة. فمنذ العام 70 ميلادية بعد خراب أورشليم وتدميرها على يد الرومان، عاش اليهود أطول شتات في تاريخ البشرية.

وفي الأيام القليلة الماضية بدا وكأن الأقدار تتربص لجماعة الإخوان المسلمين التي طال بها المقام في بريطانيا، وأن الشتات ينتظرها، فبعد التضييق عليها هناك، بدأت تسعى لنقل نشاطها إلى جهة أخرى، قد تكون أوروبية أو إفريقية، أما الدول الأوروبية المرشحة فهي النمسا أو سويسرا، فيما الإفريقية تبقى جنوب إفريقيا.

صحيفة "الديلي ميل" البريطانية، كانت من أوائل وسائل الإعلام التي أشارت إلى أن الإخوان قد قرروا نقل مقرهم من لندن إلى مدينة غراتس.. ماذا عن تلك المدينة؟ ولماذا هي دون غيرها من مدن النمسا؟

تعد غراتس ثاني أكبر المدن في النمسا بعد فيينا، وهي مدينة عريقة لها جذور ثقافية وتراثية عدة، الأمر الذي دفع منظمة اليونسكو إلى إضافتها إلى قائمة مواقع التراث العالمي، وتتميز بجامعاتها العريقة.

لكن المؤكد أن هذه ليست مسوغات اختيار الإخوان لها لتكون مقراً لهم، بل يرجع السبب الحقيقي للتفكير الأولي في هذه المدينة، إلى أنها وطوال بضعة عقود خلت، كانت مقراً سابقاً لمركز الأنشطة التجارية والمالية للجماعة، الأمر الذي يجعل الانتقال إليها أمراً متوقعاً ومنطقياً.

في هذا الصدد، كانت مصادر إعلامية تميط اللثام عن أن القيادي الإخواني أيمن علي، والذي عمل مستشاراً للرئيس المعزول محمد مرسي لشؤون المصريين في الخارج، كان مقيماً في مدينة غراتس، وقد شغل من قبل منصب نائب رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، الذي يعد المظلة الرسمية لعمل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في أوروبا.

والمقطوع به أن الحديث عن غراتس والنمسا والإخوان أمر في حاجة إلى صفحات طوال، لا سيما وأن هناك علاقة تاريخية لهذا البلد بالإخوان، فهي الدولة التي استقر فيها سعيد رمضان زوج وفاء ابنة حسن البنا، في خمسينات القرن الماضي، ولهذا فإن جذور الإخوان ضاربة هناك، غير أن السؤال؛ هل النمسا على استعداد في هذه الأوقات لتقبل نقل الثقل الاستراتيجي للجماعة إليها؟

لنبدأ من ردود الفعل الرسمية الأولية على أنباء نقل الإخوان مقرهم إلى هناك، فقد أكد يورجين ماكوفيتش المتحدث الرسمي باسم جهاز شرطة ولاية "شتان مارك"، والتي تعد مدينة "غراتس" عاصمتها، عدم وجود معلومات عن قيام جماعة الإخوان بفتح مكتب جديد لها في المدينة، مؤكداً في الوقت ذاته عدم وجود معلومات في هذا الشأن لدى مكتب الولاية لحماية الدستور. ويؤكد الرجل أنه عند وجود شك إزاء حدوث أنشطة مخالفة للقانون سيقوم بتتبع هذه الأنشطة، وأن السلطات تنصت وتتابع ما يدور في هذا الشأن.

كيف وقع الخبر على المسلمين في النمسا وعلى النمساويين أنفسهم؟

لقد جاء الرفض من مسلمي النمسا قبل الرفض من النمساويين، فقد دعت مبادرة مسلمي النمسا الليبراليين، الحكومة النمساوية إلى وقف كل نشاطات الحركات المتطرفة في النمسا، وفي مقدمتها تنظيم "الإخوان المسلمين"، لما يشكله من خطر على النمسا والإسلام في البلاد.

بيان المبادرة كان حاسماً وحازماً في لهجته، فقد أكد ضرورة مكافحة التطرف في النمسا، محذراً من سياسة التساهل واللامبالاة من قبل الحكومة النمساوية في التعامل مع الخلايا النائمة والتنظيمات السرية، التي تعتبر فروعاً لتنظيم القاعدة في أوروبا والتي تجند الإرهابيين.

أما صحيفة "كورونا تسايتونغ" كبرى الصحف النمساوية، فقد أدانت أي محاولة لنقل تنظيم الإخوان نشاطه إلى النمسا، وطالبت الأجهزة الأمنية المعنية باتخاذ إجراءات قوية، لمحاربة الإرهاب وحماية مدينة غراتس والمدن النمساوية من نشاط هذه الجماعة.

لماذا المخاوف من الإخوان حيثما حلوا وأينما ارتحلوا؟

بعد الإجراءات البريطانية الأخيرة، كان إبراهيم منير أمين التنظيم الدولي في لندن يتحدث على هذا النحو قائلاً: "إن حظر جماعة الإخوان في لندن، سيزيد من مخاطر تعرض بريطانيا لهجمات إرهابية"... هل يعني ذلك أنه إما أن يعيش الإخوان في بريطانيا أو أن تدفع ثمناً غالياً من أمنها حال حظر وجودهم؟

منير وصل به الأمر إلى حد تذكير البريطانيين بما حدث في لندن ومدريد من هجومات من قبل من أسماهم الإرهابيين، في مقابل جماعة الإخوان السلمية المعتدلة التي يمثلها على حد قوله..

هل سيتقبل الأوروبيون الأمر؟ حتماً هناك حالة من الرفض لواقع الحال الإخواني في أوروبا، ووصل الأمر إلى فتح ملفات توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وعلاقة جمعيته لحوار الأديان مع جماعة إسلامية متطرفة، وهو ما تفحصه حالياً أجهزة الاستخبارات البريطانية.

أمر الشتات الإخواني بات يشغل التنظيم الدولي للجماعة، وليس الفرع المصري فحسب. والدليل على ذلك، تلك اللقاءات والاتصالات المستمرة بين يوسف ندا مفوض العلاقات الدولية السابق للإخوان، وراشد الغنوشي عضو مكتب الإرشاد العالمي زعيم حركة النهضة التونسية، وإبراهيم منير أمين التنظيم الدولي، وهناك بحث دؤوب عن دولة الشتات التالية.

هل بات الربيع العربي شتاءً إخوانياً؟ ربما شتات بالفعل، وليس شتاءً فحسب.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon