الوطن أولاً.. لا النظام ولا المعارضة

قبل ثلاث سنوات، تردّد في ميدان التحرير في القاهرة شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، ثم أصبح هذا الشعار عنواناً لانتفاضات ٍ شعبية عربية في أكثر من مكان. لكن لم يكن واضحاً في كلّ هذه الانتفاضات، «كيف سيكون إسقاط النظام»؟ ثمّ ما هو «البديل الذي يريده الشعب»؟ وأيضاً ما هو الخط الفاصل بين»إسقاط النظام» و»عدم سقوط الوطن»؟!

حتّى الآن، وحدها التجربة التونسية استطاعت إلى حدٍّ ما أن «تسقط النظام» بطريقةٍ سلمية، دون تداعيات خطيرة على أمن الوطن ووحدته وعلى وحدة الشعب فيه. فتجارب الانتفاضات العربية الأخرى سادها ويسودها الكثير من انحراف المسارات السلمية، أو غموض المصير الوطني. لكن رغم أهمّية «التجربة التونسية»، فإنّ تأثيراتها تبقى في حدود مكانها وفي انعكاساتها الإعلامية والفكرية فقط، بينما ما يحدث الآن في الحالتين السورية والمصرية، هو الذي سيقرّر مصير البلدين والأمّة كلّها. فمصر وسوريا تقرّران عملياً مصير المنطقة العربية، وما يحدث في أيٍّ منهما يؤثّر حتماً، سلباً أم إيجاباً، على الآخر. وكم المسافة شاسعةٌ الآن بين 22 فبراير 1958 و22 فبراير 2014.

وأمر اتّساع المسافة لا يتوقف فقط على البعد الزمني ومرور أكثر من خمسة عقود على إعلان الوحدة المصرية - السورية عام 1958، بل المسافة بعيدةٌ جداً من حيث اختلاف ظروف وواقع هذين البلدين، كما هي في عموم الأمّة العربية، بين ما كانت عليه من تضامن ووعي وآمال، وما هي عليه الآن من تخبّط ٍ داخلي وبحث ٍعن الهويّة وخوف ٍعلى المستقبل.

أيضاً، كم الظروف مختلفةٌ جدّاً عن حقبة حرب أكتوبر 1973، حينما كان التحالف المصري السوري قائماً ومدعوماً بتضامن عربي فاعل، أرسى قواعده في قمّة الخرطوم عام 1967 جمال عبد الناصر، ممّا أوقف كل الصراعات العربية الهامشية لصالح أولوية الصراع مع العدوّ الإسرائيلي المحتل للأراضي العربية. اليوم تشهد مصر وسوريا صراعات ٍعُنفية، ولو بنِسَبٍ مختلفة، لكنّها صراعات ترتبط بشعار «إسقاط النظام»، كما يشهد البلَدان «حوادث» إرهابية و»أحاديث» طائفية، لإسقاط الأوطان نفسها، لا الأنظمة وحدها.

فهو «زمنٌ إسرائيلي» الآن على مستوى أولويّة الصراعات في المنطقة، إذ جرى تهميش «الصراع العربي/ الصهيوني»، وتنشيط الصراعات الأخرى في عموم «الشرق الأوسط»، بحيث ضاعت معايير «الصديق» و»العدو»، وطنياً وإقليمياً ودولياً، وأصبح «المقاومُ» مُداناً، والمساندُ للعدوِّ»مرجعيةً إنسانية» مطلوبٌ تدخّلها العسكري لحلِّ أزماتٍ داخلية!

اليوم، نجد واقعاً عربياً مغايراً لما كانت عليه مصر وسوريا والعرب قبل أكثر من خمسين عاماً.. اليوم أيضاً هوت «الهُويّة العربية» لصالح مستوى «الانقسامات الطائفية والمذهبية». اليوم تزداد الصراعات العربية، بينما تستمرّ مسيرة الحرص على التفاوض و»التطبيع» مع إسرائيل، وعلى «سلمية» المقاومة ضدّ احتلالها!

ما يحدث اليوم لا ينفصل عمّا حدث بالأمس، حين تحقّقت في المنطقة العربية، إثر المعاهدات مع إسرائيل، أهدافٌ سياسية كانت مطلوبةً من حرب 1967 إسرائيلياً ودولياً، وقد حالَ جمال عبد الناصر دون تحقيقها عقب الهزيمة، حينما رفض استعادة الأرض المحتلة عن طريق عزلة مصر وتعطيل دورها العربي التاريخي.

طبعاً، لم يحدث الانفصال السوري عن مصر في سبتمبر 1961 نتيجة عوامل داخلية وسلبيات أساليب تجربة الوحدة الاندماجية فقط، بل كان أساساً بتحريض خارجي وبدعمٍ كبير من القوى الدولية الكبرى، التي كانت تتصارع في ما بينها بين كتلةٍ شرقية وأخرى غربية، لكنها اتّفقت على محاربة «الجمهورية العربية المتحدة»، ولأسباب مختلفة لكل منها.

ولم تكن تلك المرّة الأولى التي تلتقي فيها الدول الكبرى على منع وحدة مصر وسوريا، فقد جرى التآمر أيضاً على دولة محمد علي باشا، التي امتدّت من مصر إلى سوريا في القرن التاسع عشر، من قِبَل قوًى دولية متصارعةٍ، غير أنّها اتفقت على بقاء مصر حصراً في حدودها.

أيضاً، كانت «الجمهورية العربية المتحدة» عام 1958، أكبر الأخطار المحدِقة بـ»الدولة الإسرائيلية» حديثة النشأة آنذاك، فقد وصف بن غوريون دولة الوحدة بأنّها «أشبه بالكمّاشة التي ستقتلع إسرائيل من الوجود».

الآن، ربّما يجب أن نردّد ما قاله جمال عبد الناصر بعد حدوث الانفصال: «ليس المهمّ أن تبقى الجمهورية العربية المتحدة، بل المهمّ أن تبقى سوريا».

الآن، ربّما تكمن المشكلة في كيفيّة فهم وتطبيق شعار «الوطن أولاً»، حيث كانت بداية التعامل مع هذا الشعار حينما قام الرئيس الراحل أنور السادات بتوقيع المعاهدة المصرية/ الإسرائيلية، رافعاً شعار: «مصر أولاً»، ومتراجعاً عمّا كانت عليه مصر من موقف مبدئي بعد حرب العام 1967 بأنّ «القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء، والضفّة وغزّة قبل سيناء»..

ثمّ تكرَّس هذا النهج الانفرادي في التسويات مع إسرائيل، من خلال توقيع «اتفاقية أوسلو» بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث أثبتت الأعوام الماضية أنّ ما كان «أولاً» ليس هو «الوطن الفلسطيني» بل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي تحوّلت عملياً إلى قيادة لسلطة فلسطينية على الشعب الفلسطيني المقيم فقط في الضفة الغربية المحتلّة!

أمّا على الصعيد العربي العام، فإنّ شعار «الوطن أولاً» لم يكن من أجل تحريض المواطنين على الولاء الوطني أولاً، والتخلّي عن الانقسامات الداخلية القائم معظمها على انتماءات طائفية أو مذهبية أو أصول إثنية، بل كان يتمّ استخدام الشعار لتبرير الابتعاد عن الصراع العربي/ الإسرائيلي، والتخلّص من الواجب الديني والقومي بالمساهمة في تحرير الأراضي المقدّسة في فلسطين. كما جرى استخدام هذا الشعار (الوطن أولاً) في مواجهة دول عربية أخرى، وليس في مواجهة إسرائيل أو أطراف خارجية وأطماعها في الأرض والثروات العربية.

ولعلّ رؤية ما حدث في السنوات الأخيرة، وما زال يحدث، من إشعال لمناخاتٍ انقسامية داخلية في العديد من البلدان العربية، لَتأكيدٌ لأنّ ما تحقّق «أولاً» هو خدمة المشاريع الإسرائيلية في تفتيت المنطقة العربية وأوطانها إلى دويلات طائفية ومذهبية متصارعة، تكون فيها «الدولة اليهودية» هي الأقوى وهي المهيمنة على باقي الدويلات.

وستبقى «الأوطان» العربية تعاني من صراعاتها الداخلية ومخاطر تفتّتها، طالما هناك ضعفٌ في مفهوم وفي تطبيق معنى «المواطنة». فحينما يكون فعلاً: «المواطن أولاً»، يمكن أن يتحقّق شعار: «الوطن أولاً»!

إنّ ما يحدث الآن في عموم البلاد العربية، هو تأكيدٌ آخر على أهمّية صياغة مشروع وطني ـ عربي شامل، تكون الديمقراطية والوحدة الوطنية والهويّة العربية، ورفض التدخل الأجنبي، ونبذ أسلوب العنف في المجتمعات، والحرص على نهج المقاومة ضدّ الاحتلال.. كلّها بمثابة أركان متكاملة في صلب مشروع عربي نهضوي جديد، تحتاجه الأوطان أولاً، ولكي يكون معياراً لمحاسبة الأنظمة والمعارضات معاً.

Happiness Meter Icon