حين يتباكى الغرب على مصير «الإسلام السياسي»

هل كانت تنقص الأمَّة العربية قضية أخرى ينقسم حولها العرب، حكوماتٍ وشعوباً، لكي تُضاف الأوضاع المصرية إلى قضية الأحداث السورية، وقبلها كانت المسألة العراقية التي فعلت فعلها في العقدين الماضيين من جرحٍ أليم كبير في جسد الأمّة؟!

ها هو الجيش المصري يتعرّض للاستنزاف اليوم في سيناء وفي الأمن الداخلي المصري، بعدما جرى ويجري إنهاك وإضعاف الجيش السوري في جحيم أحداث دموية داخلية، وبعد تفكيك الجيش العراقي كمحصلة للاحتلال الأميركي، وقبله لإقحامه في غزو بلدٍ عربيٍّ آخر.

أليس مستغرباً أن يحدث ذلك بالتزامن مع محاولات إضعاف ظواهر المقاومة العربية ضدّ إسرائيل في لبنان وفلسطين، وتوريط المقاومة أيضاً في حروب استنزافٍ أهلية هنا وهناك؟! وما الذي سيتبقّى في الدول المحيطة بإسرائيل من عناصر قوة عربية، إذا استمرّ سوء الأوضاع العربية على ما هو عليه الآن؟ وهل سقط العرب كلّهم في مصيدة "الفوضى الخلاّقة الشاملة"، التي جرى وعدهم بها خلال العقد الماضي؟!

هي كبيرةٌ وشاملة المسؤولية العربية المباشرة عن كلِّ ما حدث ويحدث، وهي مسؤولية تضمّ الحاكم والمحكوم معاً، الساكت عن الحق والناطق بالزور معاً، الجاهل بالدين والعالِم بحقيقته لكن المحرّف له، كلاهما مسؤول أيضاً عن تمزّق المجتمعات العربية وهيمنة الغرائز الطائفية والمذهبية.

لكن هي أيضاً مسؤولية "الغرب السياسي" عن دفع البلاد العربية إلى حافّة الهاوية، وإسقاط بعضها في وادي التمزّق والصراعات الأهلية. نعم الجسم العربي ضعيف، وهذا ما سهّل للقوى الخارجية مهمّة الدفع للهاوية، لكن ما الذي ينتظر البلاد العربية بعد ذلك؟ ولماذا هذا التحوّل الذي حصل في رؤية "الغرب السياسي" لظاهرة "تيار الإسلام السياسي"؟

فقد كانت المقولة السائدة في الغرب، بعد سقوط النظام الشيوعي في مطلع تسعينات القرن الماضي، هي أنّ "الإسلام هو العدوّ الجديد للغرب". وقد جرت التعبئة الإعلامية والفكرية والسياسية لخدمة هذه المقولة، على مدى عقدٍ من الزمن إلى أن أثمرت وحان قطافها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

 ومنذ ذلك التاريخ، بدأت عملية الدفع الممنهج والمتدرّج لأوطان عربية لكي تسقط في وحل الصراعات الأهلية، ولكي تتمّ إعادة رسم خرائط جديدة للمنطقة، تماماً كما حدث في مطلع القرن العشرين، لكن بأن يحصل ذلك التدخّل الأجنبي والتقسيم العملي للأوطان بناءً على "مناشدات" ورغبات محلية.

دعوني أطرح مجرّد تساؤلاتٍ بسيطة، علّنا نصل بعدها إلى قناعاتٍ مشتركة حول ما حدث وما يحدث عربياً:

ألم تكن واشنطن تُدرك أنّ احتلال العراق ثم حلّ جيشه، سيعني دفع هذا البلد إلى الاعتماد على ميليشيات وقوى أمنية ذاتية موسومة بألوان طائفية وإثنية، خاصةً بعد 10 سنوات من "مناطق حظر" وتكريس لمناطق شمال وجنوب ووسط، قبل حدوث الاحتلال الكامل للأراضي العراقية؟!

ألم يكن "خبراء حلف الناتو" يعلمون أنّ سهولة المساعدة جواً وبحراً على إسقاط نظام القذافي في ليبيا، ستوجد مشكلة من سيحكمون "برّاً" بعد سقوط النظام، في بلدٍ لا توجد فيه مؤسسات دولة فاعلة لأكثر من أربعين عاماً؟!

ألم يكن "خبراء الغرب" والشرق المتحالف معهم، يدركون أنّ سوريا ليست ليبيا وأن عسكرة الحراك الشعبي فيها (كما حصل في بنغازي)، ستعني إعلاناً بحرب أهلية سورية وتدميراً واسعاً لكلّ ما فيها من مقوّمات دولة ومجتمع مدني وحياة بشرية؟!

ألم تكن واشنطن عالمةً تماماً بأنّ تشجيع جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر و"تيار الإسلام السياسي" عموماً في البلاد العربية على الحكم فيها، سيولّد مخاوف كثيرة لدى مكوّناتٍ مهمّة في مجتمعات هذه البلدان وسيدفع إلى مزيدٍ من التفكّك والانقسام فيها؟!

ثمّ ما هي تفاصيل الصفقة التي حصلت بين واشنطن و"جماعة الإخوان" قبل وصولهم للحكم في مصر، وبين "الغرب السياسي" و"تيار الإسلام السياسي" في تونس وليبيا وسوريا، قبل دعمهم والتعامل معهم في المعارضة وفي السلطة لاحقاً؟!

هذه تساؤلات هامّة لفهم ما حدث ويحدث من علاقات بين "الغرب" وبين من كانوا في عقد التسعينات خصومه، ثم أصبحوا الآن "عتاده ورجاله" في أكثر من بلدٍ عربي! فهل من "مُفسّر إسلامي" لهذا التحوّل ولكيف أصبحت دول الغرب الآن "حماة الإسلام السياسي" في المنطقة العربية؟!

كثيرةٌ هي الأصوات والمقالات التي تصدر الآن عن أشخاص لهم تاريخٌ حافل بالدفاع عن إسرائيل وعن حروبها الظالمة ضدّ الفلسطينيين واللبنانيين، لكنّهم الآن يدافعون بشدّة عن "جماعة الإخوان" في مصر بحجّة الديمقراطية. فلماذا هذا البكاء الغربي المشبوه على أطلال حكم "جماعة الإخوان" في مصر؟ وما الذي كانوا يراهنون عليه لو استمرّ هذا الحكم لأعوامٍ قليلة أخرى؟

أهو مزيدٌ من الشرخ الوطني في مصر، ومن الأحداث الطائفية والمذهبية كالتي حدثت قبل فترة قليلة من سقوط حكم "الإخوان"؟ أهو توريط الجيش المصري في الأحداث السورية كما تعهّد الدكتور مرسي في خطابه التضامني مع المعارضة المسلّحة في سوريا؟ أم تسهيل التحكّم في مياه النيل من أصدقاء إسرائيل دون ردعٍ أو عقاب؟!

إنّ تطورات الأحداث في البلاد العربية تجري في منطقةٍ تتحرّك فيها قوًى إقليمية ودولية عديدة، لها أجنداتها الخاصة، وتريد أن تصبّ "تغييرات" ما في مصالحها، فضلاً عن حدوث هذه التطوّرات بعد سنواتٍ عربية عجاف، جرى فيها إطلاق الغرائز الانقسامية الطائفية والمذهبية والإثنية على امتداد الأرض العربية.

وقد يكون الأهمّ في ظروف هذه التطوّرات، وما يحيط بها من مناخ، هو وجود إسرائيل نفسها ودورها الشغّال في دول المنطقة (منذ تأسيس إسرائيل)، من أجل إشعال الفتن الداخلية وتحطيم الكيانات القائمة، لصالح مشروع الدويلات الدينية والإثنية.

وإذا كانت أيّة دولة تعني مزيجاً من "الحكم والشعب والأرض"، فإنّ السؤال الهام الذي يُطرَح أمام أيِّ من الدول العربية، هو: كيف الحكم؟ لأيِّ شعب؟ وعلى أيِّ أرض؟! علماً بأنّه مهما جرى من اختلافٍ على طبيعة الحكم، فإنّ الحسم مطلوبٌ أولاً؛ لوحدة هذا الشعب، ولحرّية ووحدة هذه الأرض.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon