تغييرٌ في الأشخاص أمْ في السياسات الأميركية؟

بمعيار النظرية البراغماتية التي تقوم عليها الحياة الأميركية، فإنَّ "الأعمال بنتائجها". ونتائج أعمال إدارة جورج بوش الابن كانت الضرر الكامل للمصالح الأميركية وللعلاقات الأميركية مع قوى دولية فاعلة، وكذلك مع سائر شعوب العالم الإسلامي. بل إنَّ سياسة تلك الإدارة الجمهورية السابقة، أدَّت إلى تقوية خصومها بدلاً من إضعافهم، وأعطت هذه السياسة زخماً للتطرّف الديني والسياسي في شتّى أنحاء العالم.

لذلك كانت التوقّعات كبيرة في العام 2008 من إدارة باراك أوباما؛ توقّعات بتغييرات أساسيّة في السياسة الخارجية الأميركية عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً. لكن ما حصل من تغيير حتى الآن هو في الشعارات وفي الخطوط العامة المعلَنة للسياسة الخارجية الأميركية، وليس في جوهرها أو حتّى في أساليبها المعهودة.

صحيح أنّ إدارة أوباما لم تبدأ الحروب والأزمات المتورّطة فيها حالياً الولايات المتحدة، وصحيح أيضاً أنّ هذه الإدارة لم تبدأ أي حروب أو أزمات دولية جديدة، لكنّها لم تقم بعدُ بتحوّلات هامّة في مجرى الحروب والأزمات القائمة. فبالنسبة لإيران مثلاً، لم يتغيّر الموقف الأميركي العملي، رغم الدعوات للتفاوض التي أطلقها أوباما أكثر من مرّة.

لذلك، يتابع العالم اليوم ما يحصل من تعيينات جديدة في إدارة أوباما لفترة رئاسته الثانية، خاصة لمنصبيْ وزير الخارجية المرشّح له السناتور جون كيري، ووزير الدفاع المرشّح له السناتور السابق تشاك هاغل. فكلاهما كانا ضدّ التصعيد العسكري على إيران، وضدّ حرب إدارة بوش الابن على العراق، وضدّ استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن هل ستكون هناك الآن، مع هذه التغييرات القادمة في إدارة أوباما، مراجعة فعلية للسياسة الخارجية الأميركية؟ مراجعة للاستراتيجيات وليس للأساليب التكتيكية فقط؟!

حتّى الآن، لا مؤشّرات عملية على تغييرٍ استراتيجي قريب، لكن التوقّعات تتزايد عن أنّ خيار أوباما، في بدء فترته الثانية، يتّجه نحو تحقيق تسوياتٍ جدّية لأزمات وحروب قائمة الآن، ومعنيّة بها الولايات المتحدة الأميركية، كالحرب في أفغانستان، والأزمة مع إيران، والحرب الأهلية الدائرة في سوريا، والصراع العربي/ الإسرائيلي.

وفي مقدّمته الملف الفلسطيني. ومشاريع التسويات لهذه الملفات الساخنة، تحتاج أولاً إلى ترتيب العلاقات مع روسيا والصين، بحيث يكون هناك توافق دولي على مضمون التسويات السياسية التي ستعمل من أجلها الإدارة الثانية للرئيس أوباما.

إنّ واشنطن تدرك أنَّ أيَّ تصعيدٍ عسكري أميركي (أو إسرائيلي) ضدّ إيران، سيحمل مخاطر جمّة على المنطقة وعلى العالم كلّه، ولن يحمل أيَّة نتائج إيجابية للسياسة الأميركية، بل سيكون تكراراً لمأساة سياسة الإدارة الجمهورية السابقة في العراق وفي أفغانستان.

ولن يشكّل استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" مع حكومة طهران، الحلّ الأفضل لإدارة أوباما، بسبب ارتباط الملف الإيراني مع كلّ الحروب والأزمات المعنيّة بها واشنطن، في الشريط الممتد من غزّة إلى أفغانستان.

وتدرك إدارة أوباما أنّ استئناف المفاوضات الفلسطينية/ الإسرائيلية كهدفٍ بحدّ ذاته، ما هو إلا مضيعة للوقت حالياً في ظلّ حكومة نتانياهو، والتي قد يتمّ التجديد لها في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وهي التي تؤكّد على رفض الاتفاقات السابقة مع الفلسطينيين، وعلى الإصرار على مواصلة الاستيطان، ولا تريد أصلاً حلّ القضايا الكبرى مع الطرف الفلسطيني، رغم التنازلات الكبيرة التي قدّمتها قيادة "منظمة التحرير"، منذ اتفاق أوسلو.

طبعاً، الفشل الأبرز الذي حصل في السياسة الخارجية لإدارة أوباما خلال السنوات الماضية، هو عدم قدرتها على إجبار إسرائيل على وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتّالي عدم تحقيق أي إنجاز في الملف الفلسطيني أو التسوية الشاملة للصراع العربي/ الإسرائيلي.

لذلك ربّما يعود فريق العمل الجديد للرئيس أوباما، بشأن مشاريع التسوية السلمية في "الشرق الأوسط"، إلى فكرة "المؤتمر الدولي" الذي يجمع أطراف "اللجنة الرباعية" والدول العربية، ويشمل المسارين السوري واللبناني، إضافةً للملف الفلسطيني. لكن ذلك سيكون حتماً بعد التوافق المنشود مع روسيا والصين، وبعد وضع ملفات العلاقة مع إيران على سكّة التسويات السياسية.

أمّا بالنسبة للموقف الأميركي من الأوضاع في سوريا، فإنّ فريق العمل الأميركي الجديد في إدارة أوباما، سيتبنّى إلى حدًّ كبير خيار دعم مهمة الأخضر الإبراهيمي، التي تسعى لبناء توافق دولي خلف صيغة حل سياسي، يوقف نزيف الدم السوري وينقذ المنطقة كلّها من تداعياتٍ أمنية وسياسية خطيرة.

فالإبراهيمي يعي تماماً الأبعاد الخارجية المهمّة للصراع الداخلي المسلّح الدائر في سوريا، حيث هو صراع إقليمي/ دولي على سوريا، وعلى دورها المستقبلي المنشود عند كلّ طرفٍ داعمٍ أو رافضٍ للنظام الحالي في دمشق. ولعلّ اختلاف التسميات لما يحدث في سوريا، يظهر هذا المزيج من عناصر الصراعات الداخلية والخارجية معاً.

 وفي الحالتين هناك ظلمٌ للواقع وتضليل سياسي وإعلامي، لا تُحمد عقباه على الشعب السوري وعلى المنطقة كلّها.

صحيحٌ أنّه كانت هناك دائماً صراعاتٌ إقليمية ودولية على المنطقة العربية وثرواتها، لكن ما هو قائمٌ من خللٍ سياسي داخلي وبيئة طائفية انقسامية، هو الذي يشجّع على التدخّل الخارجي من أطراف عديدة، أخطرها الطرف الإسرائيلي، والذي يجد في الحروب الأهلية العربية فرصةً ذهبية لتحقيق جملة أهداف؛ بينها تهديم الكيانات العربية الحالية، وإنشاء دول طائفية ومذهبية كنموذجٍ مطلوبٍ إسرائيلياً لكلّ بلدان المنطقة العربية.

إنّ "الرغبات" الإسرائيلية من تطوّرات الأزمة السورية، هي مزيدٌ من التفاعلات السلبية أمنياً وسياسياً، وعدم التوصّل إلى أيِّ حلٍّ في القريب العاجل. فمن مصلحة إسرائيل الآن بقاء هذا الكابوس الجاثم فوق المشرق العربي، والمهدّد لوحدة الأوطان والشعوب، والمنذر بحروبٍ أهلية في عموم المنطقة، والمُهمّش للقضية الفلسطينية، والمؤثّر سلباً على حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، مهما كانت خياراتها ومواقفها.

إنّ الأمَّة العربية ليست ساحة صراع إقليمي/ دولي فقط، فهي أمّة مستهدَفة بذاتها وبثرواتها وبأرضها وبوحدة كياناتها. وما لم تنهض هذه الأمّة وتصحّح واقعها، فإنَّ التمزيق سيزداد، وستتحوّل الصراعات الإقليمية/ الدولية إلى مشاريع حروب أهلية عربية تفرز كياناتٍ متصارعة إلى أمدٍ طويل، ولن ينفع عندها تغيير الأشخاص أو السياسات في واشنطن أو في غيرها من الدول الإقليمية والدولية.

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon