قوى التغيير العربية ليست كلّها في سلَّةٍ واحدة

تتواصل الانتفاضات العربية وتمتدّ في حركتها ومسيراتها الشعبية على أكثر من بقعة عربية، لكن من الخطأ وضع كل هذه الثورات والانتفاضات في سلّةٍ واحدة، ثمّ تأييدها والتضامن معها تبعاً لذلك. فالمعيار ليس هو المعارضة فقط أو أسلوب المسيرات الشعبية، بل الأساس لرؤية أيٍّ منها، هو السؤال عن هدف هذه الانتفاضات ثمّ عن هويّة القائمين عليها.

فمنذ انطلاقة الثورة التونسية أولاً ثمّ المصرية لاحقاً، أشرت إلى أهميّة التلازم المطلوب بين الفكر والأسلوب والقيادات في أيِّ حركة تغييرٍ أو ثورة، وبأنّ مصير هذه الانتفاضات ونتائجها ستتوقّف على مدى سلامة هذه العناصر الثلاثة معاً. فالتغيير السياسي وتحقيق الإصلاحات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية، هو أمرٌ مرغوب ومطلوب لدى العرب أجمعين. لكن، من سيقوم بالتغيير؟ وكيف؟ وما هو البديل المنشود؟ وما هي تأثيراته على دور هذه البلدان وسياساتها الخارجية؟.. كلّها أسئلة لم تجد حتّى الآن إجابةً عنها في عموم المنطقة العربية.

رغم أنّها مهمّةٌ جداً لفهم ما يحدث ولمعرفة طبيعة هذه الانتفاضات الشعبية العربية. أيضاً، المشكلة في الموقف من هذه الانتفاضات أنّ المعايير ليست واحدةً عند العرب ككُل، فصحيح أنّها تحدث على الأرض العربية وتترك تأثيراتها على المنطقة بأسرها، لكن ما هو معيارٌ شعبي عربي عام لدعم هذه الثورة أو تلك، يختلف ربّما عن معيار أبناء الوطن نفسه. فمعظم العرب رحّبوا مثلاً بالثورة المصرية لأنّها أنهت عهداً من سياسةٍ خارجية مصرية كانت لا تعبّر عن مصر وشعبها ودورها التاريخي الريادي، بينما كان المعيار الأهم لدى الشعب المصري هو مسائل داخلية كالفساد السياسي للنظام السابق، والظلم الاجتماعي الناتج عنه، وغياب المجتمع الديمقراطي السليم.

لقد شهد العالم في نهاية القرن الماضي تغييراتٍ سياسية كبيرة في ما كان يُعرف باسم «المعسكر الشيوعي»، وكانت العوامل السياسية والاقتصادية الداخلية هي الأساس في تفجير الثورات الشعبية داخل دول هذا المعسكر، لكن رؤية نتائج هذه التغييرات كانت متباينةً في العالم. فالغرب عموماً، ودول «حلف الناتو» خصوصاً، اعتبروها فوزاً كبيراً لهم ولمصالحهم. كما وجدتها واشنطن بدايةً لعصر الانفراد الأميركي بتقرير مصير العالم، وهو النهج الذي سارت عليه إدارة بوش السابقة. فهل استفاد أو تضرّر العرب مثلاً من هذه المتغيرات الدولية، رغم أحقّية مطالب شعوب دول «المعسكر الشيوعي» بالتغيير والإصلاح؟!

إنّ حركات التغيير العربية السائدة حالياً، تحدث على أرضٍ عربية مجزّأة، حيث ينعكس ذلك على طبيعة الحكومات وظروف المعارضات، كما أنّها تجري في منطقةٍ تتحرّك فيها قوى إقليمية عديدة لها أجنداتها الخاصة، وتريد أن تصبّ «تغييرات» في مصالحها، فضلاً عن حدوث هذه الانتفاضات بعد سنواتٍ أخيرة من إطلاق الغرائز الانقسامية الطائفية والمذهبية والإثنية، على امتداد الأرض العربية من محيطها الأطلسي إلى خليجها العربي. وقد يكون الأهم في ظروف هذه الانتفاضات وما يحيط بها من مناخ، هو وجود إسرائيل نفسها ودورها الشغّال في دول المنطقة (منذ تأسيس إسرائيل)، من أجل إشعال الفتن الداخلية وتحطيم الكيانات القائمة لصالح مشروع الدويلات الدينية والإثنية.

فكم هو ساذجٌ من يعتقد أنّ إسرائيل تقف الآن متفرجةً على ما يحدث في جوارها العربي، أو أنّها دولة حريصة على «عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية»، في حين أنّ دول حلف الناتو تمارس هذا التدخّل!

كل المنطقة العربية بحاجةٍ فعلاً لإصلاحاتٍ دستورية واقتصادية واجتماعية. كل المنطقة بحاجةٍ إلى العدل السياسي والاجتماعي. كل المنطقة بحاجة إلى المشاركة الشعبية الفعّالة والسليمة في الحكم وقراراته. لكنّ هذا كلّه يحدث وسيحدث على أرضٍ غير مستقرّة، ولا هي موحّدة ولا متحررة من أشكال مختلفة من الهيمنة الأجنبية والتدخّل الإقليمي. وهذا الأمر يعيدنا إلى مسؤولية قوى التغيير والمعارضات العربية، ومقدار تنّبهها لئلا تكون وسيلةً لخدمة أهداف ومصالح غير أهداف ومصالح شعوبها. هنا كانت المشكلة أصلاً في السابق، حينما عجزت هذه القوى عن البناء السليم لنفسها: فكراً وأسلوباً وقيادات، فساهمت عن قصدٍ أو غير قصد في خدمة الحكومات والحكّام الظالمين الفاسدين، وأطالت في أعمار حكمهم، ممّا جعل شرارات التغيير تبدأ من خارج هذه القوى، ومن شبابٍ عربي يحتاج أصلاً إلى الرعاية الفكرية والسياسية السليمة، بعدما قام هو نفسه بأسلوب تغييرٍ سليم.

إنّ حركات التغيير السائدة الآن عربياً، يمكن توزيعها إلى ثلاث مجموعات؛ أوّلها مفرح، ومثاله تونس ومصر، وبعضها مقلق، كما هو في اليمن وليبيا وسوريا، وآخرها محزن كما هو في البحرين حيث تحوّل الأمر إلى تصنيفاتٍ مذهبية وصراعاتٍ إقليمية كانت ضحيّتها انتفاضة البحرين ومطالب شعبها المحقّة في الإصلاح. ولعلَّ في وجود هذه المجموعات، ما يؤكّد على مخاطر السلبيات المرافقة لحركة التغيير الإيجابي النشطة حالياً. فحبّذا لو يسبق أيَّ حركة تغيير وضوحٌ في الأهداف وبرامج العمل وهوية البدائل وطبيعتها، فربّما يشكل ذلك حدّاً أدنى من الاطمئنان، ولا يُترَك مسار الأمور كحال من يصطاد في البحر ويجهل ما ستحويه شبكته بعد حين.

حتى الآن لم تتّضح كثيراً ماهية «الأفكار» ولا طبيعة «القيادات» التي تقف خلف «أساليب» بعض الانتفاضات العربية. ولا يجوز طبعاً أن تكون «الأساليب» السليمة هي لخدمة أفكار ومشاريع وقيادات غير سليمة تسرق التضحيات والإنجازات الكبرى، وتُعيد تكرار ما حدث في السابق في المنطقة العربية من تغييرات كانت تحدث من خلال بعض الانقلابات العسكرية أو الميليشيات المسلحة، ثم تتحوّل إلى أسوأ ممّا كان قبلها من واقع.

إنّ الديمقراطية السليمة والعدل السياسي والاجتماعي، مطلوبان فعلاً في دول المنطقة، بل في أنحاء العالم كلّه، والحاجة ماسّة لهما كذلك في مجال العلاقات بين الدول، وفي ضرورة احترام خيارات الشعوب لصيغ الحياة الدستورية فيها، وفي عدم تدخّل أيّة دولة (كبرى أو صغرى) في شؤون الدول الأخرى. إنّ الديمقراطية هي وجهٌ من وجهي الحرّية، وهي صيغة حكم مطلوبة في التعامل بين أبناء البلد الواحد، لكنّها ليست بديلة عن وجه الحرّية الآخر، أي حرّية الوطن وأرضه من كل هيمنة خارجية. إنّ البلاد العربية هي أحوج ما تكون الآن إلى حركة شعبية عربية، تتّصف بالديمقراطية والتحرّر الوطني والعروبة. حركة تستند إلى توازن سليم في الفكر والممارسة، بين شعارات الديمقراطية والتحرّر الوطني والهوية العربية، حركة شعبية تجمع ولا تفرّق داخل الوطن الواحد، وبين جميع أبناء الأمَّة العربية..

 

  • تويتر

تعليقاتكم

أكتب تعليقك هنا

كل التعليقات خاضعة للمراجعة وسيتم نشرها بعد مراجعتها. يرجى العلم أن بريدك الإلكتروني لن يكون ظاهراً للقراء.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع البيان الإلكتروني ، الذي يُرحًب بالردود والرأي الآخر

استطلاع الرأي

لتجاوز السرعة على الطرقات ،،، هل تفضل إقامة ساحة شعبية مجهزة ومخصصة لهواة سباق السيارات ؟

لأكثر شعبية

كاريكاتير

اختيارات المحرر

افتتاحيات الصحف العربية

  • التقصير العربي في سوريا..

    معروف أن مجلس الأمن أسس، ووضعت قوانينه ضمن مرحلة كان الأعضاء هم القوة المنفردة، وقد شكل مأزق (الفيتو) مشاكل للبلدان التي تسودها حروب أو خلافات تتبع أو تتضاد مع الدول الأعضاء ليحدث الاعتراض وينتفي الحل..

  • الأسير الفلسطيني.. والصمت الدولي

    يواجه الأسير الفلسطيني خضر عدنان خطر الموت في سجون الاحتلال الاسرائيلي بعد اضرابه عن الطعام منذ 66 يوما احتجاجا علي استمرار اسرائيل في احتجاز نحو ستة آلاف فلسطيني وراء القبضان تحت التعذيب.

  • البحث العلمي في مجتمعنا وثماره

    من الحكمة السديدة أن نطرق أبواب المستقبل بالبحث العلمي، أن نرتاد الغد بثقة تنتجها المعامل ومراكز البحوث، وبابتكارات تنوع أمامنا الخيارات.

  • البطاقات الممغنطة هل هي ... مخطط للتهجير ؟!!

    اعلنت وزارة الداخلية الاسرائيلية انها ستبدأ مرحلة الزام من يحملون الهويات الزرقاء بالحصول على البطاقات الممغنطة ابتداء من 1/4 القادم ولمدة عامين كفترة اختيارية انتقالية وتكون بعد ذلك الزامية.

  • جهود أمريكية ملموسة لمنع حماقة إسرائيل

    ليس من المبالغة في شيء القول إن الزيارات رفيعة المستوى التى قام، ويقوم بها كبار المسؤولين في المخابرات والأمن القومي والقوات المسلحة الأمريكية إلى اسرائيل،

  • معركـة الأقصـى

    يخوض الشعب الفلسطيني المرابط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، معركة الاقصى بصدور عارية دفاعاً عن المسجد المبارك لحمايته من رعاع المستوطنين الحاقدين،