اختتم منتدى «الحوار الاستراتيجي والاقتصادي» الأميركي – الصيني أعمال دورته السادسة، أخيراً، في بكين. ما خرج به بعد يومين من المداولات شارك فيها عن الجانب الأميركي وفد عالي المستوى برئاسة وزير الخارجية جون كيري وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين، من بينهم جانيت يالن رئيسة مجلس إدارة بنك الاحتياط الفيدرالي – المصرف المركزي الأميركي، لا يختلف كثيرا عن الجولات السابقة.

شكاوى متبادلة ونفي متبادل، يرافقه تأكيدات على حسن النوايا وضرورة التعاون والتنسيق، تحت شعار أن ما يجمع بينهما أكثر مما يفرّق. لكن هذا حبر على الورق. وعلى الأرض تختلف الصورة، فالعلاقة بين الجانبين يحكمها التوجس المشترك وغياب الثقة. وقبل كل شيء التنافس الجيو – سياسي الكبير بينهما. لكن يشفع به أنه ليس من الصنف التناحري.

كما كانت الحال بين واشنطن وموسكو أيام الاتحاد السوفييتي. غياب التنافر الأيديولوجي في علاقتهما جعلها قابلة للضبط كما للأخذ والردّ. وعلى هذه الأرضية قامت صيغة هذا الحوار لإجراء المراجعات بصورة دورية، بحيث يتم تنفيس الاحتقان وفتح آفاق جديدة لإدارة الخلافات والتحكم بها. ومن هنا أهمية قيام هذا المنتدى لتنظيم تضارب مصالح العملاقين. أو على الأقل لعدم ترك تراكماته تتحول إلى أزمات مستعصية.

تأسس أو بالأحرى جرى تطوير هذا المنتدى، الذى نشأ في عهد الرئيس جورج بوش الابن، عام 2009 في لقاء بين الرئيس اوباما ونظيره الرئيس الصيني السابق هو جينتاو. وبات يعقد جولاته السنوية في العاصمتين بالتناوب. في حيثياته، جاء أنه قام من أجل «التباحث في القضايا الثنائية كما في المسائل الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، الإقليمية والدولية». لكنه عملياً هو ثمرة الحاجة المشتركة للاحتواء والهيمنة في آن.

الصين لا تخفي طموحها في التعامل مع الولايات المتحدة على قاعدة التكافؤ. الرئيس الصيني شي جنبينغ، في افتتاحه لجولة الحوار، قال إن «المحيط الهادئ الفسيح يقوى على استيعاب بلدين عظيمين». القيادة الصينية دأبت في خطابها على مطالبة واشنطن «ببناء علاقات بينهما تكون نموذجاً جديداً للعلاقات مع الدولة الكبرى»، أي مع الصين الكبرى. لقب تتوسل بكين الحصول عليه والاعتراف به، كوسيلة عبور إلى مرتبة القطبية الثنائية مع أميركا. واستطراداً التسليم لها بامتيازات الدولة العظمى. وبالتحديد بتمدّد نفوذها الإقليمي وبما يحسم الصراعات حول مياه وجزر وموارد منطقتي جنوب وشرق بحر الصين لصالحها.

واشنطن لم تسلّم لها بهذه المرتبة بعد. ولا حتى موسكو ترتاح لها. على هذه الأرضية، جاءت جلسات منتدى الحوار الدوري كصيغة رأت فيها واشنطن ما يلبي شيئاً من طموح بكين، باعتبارها آلية مميزة للبحث في مشاغل وتحديات المنطقة. كما رأت فيها بكين محطة متقدمة للتشاور الثنائي من موقع تنفرد به في الإقليم.

معادلة شكلية

لكن في الواقع، تقف المعادلة هذه عند هذا الحدّ الشكلي. صحيح أن المشاورات في إطار هذا الترتيب تتناول قضايا استراتيجية كبيرة، من موضوع المناخ إلى الأمن الإقليمي والاقتصاد وشؤون الملاحة البحرية وغيرها والتي تفيض منافع التشاور بشأنها عن مصالح البلدين الحصرية. لكن الهواجس وحدة التنافس، تحمل الجانبين على ممارسة سياسات تنسف إمكانات التوافق، إلا بما شحّ وخفّ وزنه. فالصين تتهم واشنطن بنسج «التحالفات الإقليمية لاحتواء صعودها خاصة العسكري».

وفي ذلك إشارة ليس فقط إلى التكتل السباعي الذي اقامته إدارة أوباما والذي شمل أستراليا للمرة الأولى، بل أيضاً إلى مباركة واشنطن – أو على الأرجح تشجيعها – أخيرا للخطوة التي اتخذتها الحكومة اليابانية لرفع القيد الدستوري بما يسمح بإحياء دور المؤسسة العسكرية اليابانية. تطور تعاملت معه بكين على أنه موجه ضدها.

وعلى هذا فهي تطرح شعار «آسيا للآسيويين». وتشكو واشنطن في المقابل من «تجاوزات» بكين واستئسادها في الجوار، مثل عمليات التجسس عبر الأثير على مواقع أميركية حساسة في شبكة الإنترنت، فضلاً عن «انتهاكات» حقوق الانسان.

طبيعة الصراع

التراشق المتبادل والمتوتر أحياناً بينهما، يفصح عن طبيعة الصراع الذي يحرص كلا الجانبين على ضبطه في حدود لعبة شدّ الحبال. المصالح المتبادلة خاصة الاقتصادية هائلة. ثم ان النزوع للتصادم يبدو وكأنه شبه معدوم لدى الطرفين إلا في حال وقوع خطأ في الحسابات. أميركا تعبت من الحروب. طالما اوباما في البيت الأبيض.

لكنها تلعب لعبة التلويح بالقوة من خلال الحلفاء. وبكين ليست في وارد الذهاب في عرض العضلات إلى حدود المواجهات الكبيرة. تكتفي بهز العصا للصغار في الإقليم. بهذه الحدود، يلعب المنتدى دور الإطفائي المبكر. بل ربما كان صيغة مرغوبة في أكثر من مكان بالعالم.