يشكل النشاط التجسسي والاستخباري، أحد أركان استراتيجية الأمن القومي الأميركي. تقوم به 16 وكالة، ترصد لها مخصصات سنوية بمليارات الدولارات. أهمها السي أي ايه.
لكن في السنوات الأخيرة لمع اسم "وكالة الأمن الوطني"، من خلال الدور الذي تتولاّه في الحرب على الإرهاب. العالم كله ساحة عملها، بما فيه الساحة الأميركية نفسها. مهمتها الأساسية، جمع المعلومات التي تساعد على اختراق المجموعات الإرهابية أو كشف خطط عملياتها قبل حدوثها لإحباطها ومنع وقوعها.
لكنها مارست هذا الدور بكثير من التمادي في مطارداتها التقنية المتفوقة، بحيث صارت تطلع على الخصوصيات وتخرق بذلك حرمة الحريات الشخصية في الداخل، كما تتنصّت على قيادات دولية لم يسلم منها حتى الحلفاء.
قنبلة سنودن
مليارات المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية وقعت تحت المراقبة المكثفة. وحتى الاتصالات التي تجري خارج الشبكة العنكبوتية، تمكّنت عين وأذن الرقيب من الوصول إليها عبر موجات راديو سرّية.
كل ذلك بقي طي الكتمان إلى أن كشفه الخبير الأميركي إدوارد سنودن، بعد انشقاقه الربيع الماضي عن "وكالة الأمن الوطني" التي كان يعمل فيها. القنبلة التي فجّرها حين أفشى الكثير عن تنصت الوكالة، وضع واشنطن في ورطة، مع الأميركيين ومع العالم.
وخاصة مع عدد من قياداته المحسوبة في الخندق الحليف لها. وزاد الطين بلّة، أن انتقل سنودن إلى موسكو التي منحته لجوءاً مؤقتاً والتي قد تكون قد حصلت على أسرار هامة منه، كما يخشى الأميركيون. وربما تكون قد جنّدته من البداية، حسب بعض الدوائر.
لكن كيفما كان الأمر، سدّدت العملية لكمة موجعة إلى النشاط التجسسي الأميركي: من جهة فتحت عليه العيون بحيث لم تعد طريقه سالكة كما كانت، بالرغم من التفوّق التقني الذي تملكه الوكالة. ومن جهة ثانية، أحرجت واشنطن، أمام مواطنيها كما أمام العالم، حيث أثار كشف هذا النشاط ضجّة واسعة سارع الرئيس أوباما إلى احتوائها من خلال تشكيل لجنة للنظر في الموضوع.
تجاهل التوصيات
وقبل أيام رفعت له توصياتها الـ 46 التي لم يأخذ بمعظمها على الرغم من أنها اكتفت بتدوير الزوايا من غير ملامسة الجوهر. وزّع التطمينات بأنه وضع بعض القيود على التنصت في الداخل "مثل طلب الإذن من المحكمة" إلاّ في الحالات الاستثنائية، من دون تحديد مواصفاتها.
كما طمأن "قيادات حليفة" بأنه منع التنصت عليها. لكنه لم يقل أنه منعها على حكوماتها. وكانت معلومات سنودن قد كشفت عن عشرة أسماء من بينها أنغيلا ميركل رئيسة الحكومة الألمانية.
تطمينات الرئيس أوباما جاءت في سياق الدفاع عن البرنامج. مقتضيات الأمن، تفرض اختراق عوالم الآخرين، كما يقول. يعني ذلك استمرار الالتزام بقانون " باتريوت " لعام 2001 الذي يجيز للدوائر الأمنية المعنية، مثل " وكالة الأمن الوطني " القيام بإجراءات احترازية فوق العادة، بغرض إحباط الهجمات الإرهابية فوق الأراضي الأميركية.
يشمل ذلك كافة الوسائل المتاحة ومنها رصد الشبكة العنكبوتية والهواتف. والرئيس أوباما يقدّم ذات التسويغ الذي اعتمده سلفه بوش، بأن "وضع ملايين المكالمات الهاتفية في تصرّف الأجهزة المختصة، ليس للاضطلاع على مضمونها بل فقط لمراقبتها"، بل يذهب إلى حدّ القول بأن التنصت على مكالمات قيادات أجنبية، يحصل بدافع مساعدة هذه الجهات وبلدانها على التحوّط للإرهاب!
أميركا تملك إمكانات تكنولوجية متقدمة بأشواط على غيرها، في مجال التنصت الإلكتروني. وظّفت هذا التفوق بما يفيض عن حاجتها لإفشال الخطط الإرهابية. بالغت في استخدام تمايزها إلى أن وقعت في الشطط. وعندما افتضح الأمر، سارعت الإدارة إلى تجميل هذا النوع من التجسس وتقديمه على أنه أشبه بالمنقذ.
لكن واقع الحال، أنها في أزمة: لا هي عازمة على التراجع عن هذه الممارسة، مع أن هذه الأخيرة من تركة بوش التي سبق وتعهّد أوباما بالتخلي عنها، ولا هي قادرة على تحديد الخط الفاصل بين الحريات وبين هذه المغالاة الأمنية.
صارت كفة الاعتبارات الأمنية راجحة على كفة حريات وحقوق الآخرين، أفراداً كانوا أم حكومات. صحيح أن أميركا لا تحتكر التجسس. لكنها تحتكر الإفراط فيه وبما ينعكس سلباً ليس فقط على علاقاتها مع الخارج بل أيضاً على العلاقات الدولية بمجملها.
