خلال زيارتي الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بكين أخيراً، رصد المراقبون مؤشرات تؤذن ببدايات توجّه نحو ترجمة حضور الصين الاقتصادي المتوازن في الشرق الأوسط، إلى دور اللاعب على ساحته.

ولو كان لاعباً مشاركاً. وربما لا زال سعيها في طور جسّ النبض وتلمّس المداخل. خاصة على صعيد «عملية السلام» الإسرائيلية ــ الفلسطينية.

مع ذلك، رأى المتابعون للشؤون الصينية في ذلك خطوة أولى في رحلة الألف ميل التي تضمنت «مقترح سلام من أربع نقاط» تقدّم به الرئيس الصيني كسي جنبينغ إلى الرئيس الفلسطيني أبو مازن.

 واكب ذلك، تصريحات وتأكيدات لموقف بكين إزاء القضية الفلسطينية، أثناء اللقاءات مع نتانياهو، شارك فيها رئيس الوزراء الصيني ومسؤولون في وزارة الخارجية.

انعطافة بطيئة

الأوساط الأميركية لم تتعامل مع هذه العناوين كعملية اقتحام صيني ناجز لملف طالما حرصت بكين على البقاء خارج لعبته المعقدة. إلا أنها رأت فيها ما يؤشر إلى انعطافة بطيئة على الطريقة الصينية، باتجاه مغادرة موقع المتفرّج إلى موقع المساهم إذا لم يكن الفاعل حيال أقدم وأصعب أزمات المنطقة.

وبالمعايير الصينية، لا يقل ذلك عن مشروع تحوّل تدريجي في استراتيجية بكين شرق الأوسطية على المدى الطويل.

ليست هذه المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول فلسطيني أو إسرائيلي كبير بكين. لكن أن تحرص القيادة الصينية على استضافة عباس ونتانياهو تباعاً، بفاصل يوم بين الاثنين، كان بحد ذاته رسالة تنطوي على طموح لدور ما في المنطقة. خاصة وأن الرئيس الفلسطيني كان قبل أسابيع قليلة في الصين.

فبدا ذلك وكأن بكين تعتزم وضع نفسها على لائحة العواصم الدولية الكبرى المشتغلة بالأزمات، والتي تستدعي الفرقاء إليها للتباحث والتوسط بينهما. أو على الأقل، تحاول بذلك كسر احتكار أميركا التصرف بالقضايا المؤثرة في الأمن والسلم الدوليين، من باب أن هذه القضايا تمسّ مصالحها المتوسعة في طول الكرة الأرضية وعرضها.

ركيزة قوية

وتستند بكين في محاولتها حجز كرسي لها حول طاولة أزمات المنطقة، على شبكة المصالح المتبادلة الكبيرة التي تربطها بدول المنطقة. فالخليج مصدر معظم حاجتها النفطية.

عدا عن العلاقات التجارية المتنامية مع أطرافه. ووقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية مزمن بالتأييد والمساعدات. تجارتها المتبادلة مع إسرائيل تصل إلى «10 مليارات دولار في السنة».

ويضيف المراقبون ورقة أخرى تملكها بكين وتتمثل في «عدم انحيازها وحرصها على التوازن» الذي خدم مصالحها وفتح أمامها الطريق إلى القيام بدور «مقبول وإن كان متواضعاً». فحين يجتمع الموقع الاقتصادي رقم اثنين في العالم مع الخطوط المفتوحة مع سائر الأطراف، تكون الحصيلة صوتاً مسموعاً وربما مطلوباً.

على الأقل هكذا يقرأ فريق من المحللين الأميركيين انفتاح بكين على القضية الفلسطينية. ولا يعتقد هؤلاء أن لدى التنين الصيني أي وهم حول مكان وجود مفتاح القضية، ولا هو يزمع منافسة واشنطن حاملة هذا المفتاح.

توظيف مؤجل

لكن سعي بكين لدخول حلبة السياسة الخارجية، توظيف مؤجل المردود. تماماً كما حصل عندما أطلق الزعيم دانغ كسياوبنغ في أواخر السبعينات عملية التحول التاريخي من خلال فصل احتكار السياسة عن الانفتاح الاقتصادي. لم يكن أحد من أهل الخبرة يتوقع آنذاك أن تتسلّق الصين هرم الاقتصاد العالمي وتتربع على الدرجة الثانية تحت قمته، في غضون أقل من أربعة عقود، حيث تقيم اليوم.

وهكذا يبدو الأمر بالنسبة للسياسة الخارجية. فعلى الرغم من عزوف القيادة الصينية عن توسيع نفوذها في هذا الحقل، إلاّ أن تنامي قدراتها الاقتصادية واستطراداً العسكرية، كان محكوماً بالتعبير عنها على شكل نفوذ متزايد. وقد بدأ ذلك أولاً في الإقليم.

كانت ترجمته في محاولة هيمنتها كقوة إقليمية عظمى، على مياه بحر الصين الجنوبي، من خلال اعتباره مياهاً إقليمية خاضعة لسيادتها. ثم أدّى تنامي القدرة في الآونة الأخيرة، إلى نزاع سيادي على جزر مع اليابان. والآن يبدو أن بكين تعمل على التأسيس لدور أوسع يتعدّى منطقتها.

وكأن الحجم الاقتصادي العملاق لا يقوى على التقوقع والتعفف عن الانخراط في مشكلات دولية شائكة. مصالح وموقع الصين يفرضان ذلك. ثم هناك فرصة الآن على الأقل لتعزيز حضورها الدولي.

فالسياسة الخارجية الأميركية مرتبكة، مترددة وتمارس حالة من النأي بالنفس، في سائر الملفات والأزمات الدولية. يقال إن كسياوبنغ أوصى بأن «على الصين عدم الكشف عن قدراتها وأن تعيش عصرها، لكن عليها أن تبقى بعيدة عن مقعد القيادة».

حتى الآن، حافظت القيادة الصينية على وصيته، ولو أنها تسعى إلى مقعد في الصف القيادي، الذي لن يكون بوسعها مغادرته. وربما في ذلك قدر من التوازن الدولي المرغوب.