تبدو الأزمة التي استحضرت في الآونة الأخيرة أجواء الحرب إلى شبه الجزيرة الكورية، وكأنها تتجه نحو التبريد. وربما استقرت بعد حين، على صيغة تخرج معها الصين الرابح، بل اللاعب الأكبر، كقوة لا غنى عنها في الإقليم، وكشريك لأميركا في معادلة المنطقة، مع ما ينطوي عليه ذلك من تعديل في التوازنات الاستراتيجية في جنوب شرق آسيا لصالح بكين.
هذا إذا بقيت لغة التصعيد الكوري الشمالي تتراجع، تحت الضغط الصيني على ما يبدو، والذي كانت أولى مؤشراتها تتمثل بصرف نظر بيونغيانغ عن تجربة صاروخية كانت تنوي إجراءها يوم 15 الجاري المصادف للذكرى الواحدة بعد المئة لميلاد الرئيس المؤسس كيم إيل سونغ.
صفقة مغرية
بدأت الدلائل في هذا الاتجاه تتوالى، مع وصول وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى بكين الأسبوع الماضي، ضمن جولة آسيوية، جمعت بين تطمين الحلفاء، ومحاولة حبك صفقة "مغرية" مع الصين، تقوم على عروض نوعية، مقابل توليها تفكيك الأزمة الكورية. وبالذات أساسها النووي.
من هذه العروض "خفض الحضور العسكري الأميركي في منطقة المحيط الهادي الآسيوية، وبالذات شبكة الصواريخ الدفاعية، التي طالما اعترضت الصين على نصبها هناك، فور حلّ الأزمة الكورية" بجذورها النووية.
وعد ينطوي على تراجع إدارة أوباما عن استراتيجية التركيز العسكري على تلك المنطقة، باعتبار أنها باتت مركز الثقل العالمي. وما بدا أنه توجه لم يخل يومذاك من التسرع، جاءت الأزمة الكورية لتفرض إعادة النظر فيه اضطراراً.
فالبديل عن مثل هذا التراجع المنطوي على التسليم بثقل الصين وبمصالحها في المحيط، لا يقل عن مجازفة تحمل في ثناياها خطر مواجهة عسكرية مع بيونغيانغ، لن تخسرها أميركا ميدانياً، لكنها لن تقوى على حسمها كما ترغب.
الخشية، أن تؤدي لو اندلعت إلى ورطة جديدة، في زمن لا يرفع فيه علم الحروب في واشنطن غير بقايا الصقور في صفوف اليمين الأميركي، الذي كانت حرب العراق آخر مآثره المهلكة.
من هنا، كان التحول والإسراع في حفز الصين على لعب دورها، الذي ترى واشنطن أن كوريا الشمالية لا تقوى على الوقوف بوجهه لو قررت بكين استخدامه بكامل أوراقه الفعالة، الاقتصادية بنوع خاص. وربما ساهم في العجلة انكشاف ما جاء في تقرير سري أعدته المخابرات العسكرية في البنتاغون، جاء فيه أن المعلومات المتوفرة تفيد "ولو بثقة غير حاسمة" أن كوريا الشمالية بات في حوزتها رأس نووي صغير، يصلح لتزويد صاروخ باليستي به".
وثمة تقديرات أخرى تقول بأن لديها الآن "القدرة على وضع قنبلة نووية مصنوعة من البلوتونيوم على رأس صاروخ نودونغ قصير المدى: 800 ميل".
ملامح حلحلة
وإذ يرى المراقبون أن الطريق غير سالكة أمام هذا الطموح التفكيك النووي في المستقبل المنظور، إلاّ أنهم يلحظون ملامح حلحلة من شانها أن تفضي على الأقل، إلى "ضبط" لعبة التأزيم التي اعتادت كوريا الشمالية ممارستها بصورة شبه دورية. وفي هذا الخصوص، تشكل الصين المدخل الحاسم، وباعتراف مرجعيات أميركية في الشؤون الاستراتيجية، والتي كان وما زال بعضها، مثل زبغنيو بريجنسكي وهنري كيسنغر، يشدّد على أهمية تعزيز الشراكة معها، وإن من موقع الحفاظ على الأرجحية لواشنطن.
من علامات التفاؤل المتحفظ، ما يشيره المراقبون إلى موافقة الكبيرين على وجوب "تخليص شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي"، الذي بات يخشاه الجانبان بعد التصعيد الأخير، والذي رفع منسوب الضيق الصيني، وأخرجه من الضمني إلى شبه العلني، وعلى لسان الرئيس الصيني بالذات، أخيراً.
وخلال الزيارة، تكرر على لسان الخارجية الصينية التي أكدت "التزام الصين الحازم بدعم الاستقرار والسلام، وكذلك تعزيز عملية تجريد شبه الجزيرة الكورية من النووي".
وعلى هذا الأساس جدّدت بكين الدعوة إلى استئناف محادثات الدول الست المتوقفة منذ أربع سنوات، بخصوص النووي الكوري. إدارة أوباما تربط هذا الاستئناف بتنفيذ ما التزمت به كوريا الشمالية سابقاً في هذا الإطار، وبالتحديد وقف التجارب والتخصيب. لكن في المقابل، لوّحت لكوريا باستعدادها للدخول في حوار مباشر معها، حول النووي والعقوبات، يعتقد الأميركيون أن بيونغيانغ طالما سعت إلى تحقيقه.
من الصعب أن تنكفئ كوريا الشمالية عن ممارسة لعبة حافة الهاوية التي طبعت مسيرتها. ومن الأصعب أن تتخلى عن ورقة النووي التي تعتبرها حصان هذه اللعبة. لكن الجديد الآن أن بكين يمكن، وللمرة الأولى، أن تكون قد عقدت العزم على فرض فطام الأزمات على كوريا. أو على الأقل ثمة عدم استبعاد أميركي لمثل هذا التوجه الصيني الذي من المفترض أن تقود إليه مصالح بكين ودورها وتبوؤها لدورها القيادي في المنطقة. ليس هناك من يراهن. بل من يأمل.
