عند قدومه كان الناس يستبشرون به خيراً، لأن في سلته كل ما تشتهي الأنفس، وبأسعار تنافسية لكثرة العرض وطول النهار، واستثمار الوقت بشتى المجالات. ولا يحتاج الناس من الملابس إلا القليل والخفيف، وإذا نام شخص على سطح الدار وأصابه الأرق، يمكنه أن «يعدّ النجوم» وينام دون الحاجة إلى حبوب منومة.. أما اليوم فقد أصبح «أبو الفقراء» -وهو الاسم الذي يطلق على الصيف في العراق- عبئا على الفقراء، لأنه يسلبهم نصف الإيراد، فباتوا يخاطبونه بلسان المتنبي: «بأي حالٍ عدتَ يا صيفُ».
ويحمّل عصام سرمد طالب جامعي، وزارة الكهرباء مسؤولية معاناة المواطنين جراء حر الصيف، ويعتبرها «ظالمة»، لأنها لم تجد حلا لتفاقم أزمة الكهرباء منذ أكثر من تسع سنوات. ويقول: «كان الفقراء لا يتذمرون جوعاً، لوفرة الغذاء في الصيف، ومن كل الأصناف، لكن ارتفاع أسعاره اليوم يسلب الفرح، بالإضافة إلى أن الفقراء ازدادوا، والمساحة التي كانوا يفترشونها ضاقت بهم، والبيت الذي مساحته 200 متراً، أصبح أربعة بيوت أو أكثر، وعدد الجدران أصبح أكثر من عدد الأسرة».
هدير المولدات
بينما يؤكد سعد جاسم عامل، أن «قوالب الإسمنت لم تنحصر في البيوت فقط، بل أحاطت بكل الشوارع والأزقة، وأخذت تصد حتى نسمة الصباح العليلة، فضلا عن هدير مولدات الكهرباء العذب- الذي يصم الأذان فيجعل النوم إجباريا داخل الغرف، إضافة إلى فقدان الأمان الذي يفرض غلق الأبواب الخارجية والداخلية للمنزل، وحتى النوافذ».
وعن توقعاته لصيف 2012 يقول محمود المدلول، موظف: «صحيح أن الصيف كان أبا للفقراء، وكان يجمع شباب المحلة في الشارع لساعات متأخرة من الليل، ولم تكن هناك ضوضاء ولا دخان مولدات، لكن الصيف اختلف اليوم، فهو يأتي وتأتي معه المشاكل، وأهمها الكهرباء، وزحمة السير، وارتفاع أسعار الخضروات والنقل، وغير ذلك».
أما ورود علوان أستاذة جامعية فأبدت تشاؤمها من الصيف، بسبب زحام السيارات في الشوارع وأشعة الشمس التي تضرب الرأس، وكثرة العواصف الترابية التي تخنق الأنفاس، وتتسبب بالأمراض.
وتوضح أن «المصروفات التي تنفقها على المحروقات تأخذ ثلث الراتب، ودراسة الأولاد تتطلب استمرار الكهرباء»، لافتة إلى أن المعاناة في الشتاء أصبحت أقل من الصيف، لأن الملابس والتدفئة النفطية، يمكن أن تعوض جزءًا من المتطلبات الكهربائية.
ويقول حيدر صباح مهندس: «هذه البنايات الإسمنتية جاذبة للحرارة، نهار الصيف وليله، ولا تطاق من دون تبريد، والتبريد يحتاج إلى أجهزة ذات فولتية عالية من الكهرباء، شبه المفقودة».
وهكذا حكم على الصيف، وسلبت منه «أبوتهُ» للفقراء، وما عاد غطاء لهم، ولا سلة مملوءة بـ «الأغذية الرخيصة»، وإنما يسلب المال والوقت ويعكر المزاج.
