قال باحثون وأكاديميون عراقيون، مختصون في ثقافة الطفل، إن غياب المطبوعات المحلية الخاصة بأدب الأطفال، سبّب تراجعاً كبيراً في ثقافة الطفل العراقي، مقابل تأثره بالثقافات المجاورة عبر إصدارات ومطبوعات مستوردة وملونة بعيدة عن البيئة المحلية للطفل. وتشهد الأسواق المحلية انتشار المطبوعات المستوردة الخاصة بالأطفال، والمميزة بالألوان والطباعة الأنيقة والأسعار المرتفعة، مقابل غياب المطبوعات المحلية التي تحاكي ثقافة الطفل العراقي، وتعالج أهم المشاكل التي يعاني منها بطرق تربوية وأكاديمية متخصصة.
إهمال
ويؤكد المتخصص في أدب الأطفال الشاعر محمد جبار حسن، أن «مطبوعات الأطفال في العراق شكلت تراجعاً خطراً، بسبب غياب دعم الدولة لمطبوعات الصغار، مثل مجلتي «مجلتي» و«المزمار»، وبعض الكتب الأخرى التي كانت تصدر في ثمانينيات القرن المنصرم، بسبب إهمال رعاية الدولة لثقافة الطفل بشكل عام، وبضمنها المطبوعات المخصصة له».
ويضيف أن مجلتي «المزمار» و«مجلتي» المتخصصتين بالطفولة كانتا تصدران بواقع 52 عدداً في السنة، على عدد أسابيع عام كامل، ولكنها تراجعت لتطبع بواقع عدد شهري لفترة محدودة، حتى توقفت عن الصدور تماماً منذ أكثر من ثمانية أشهر، بسبب قلة التخصيصات المالية.
ويرى حسن انه «ما لم ترصد ميزانية مناسبة لطباعة المجلات والكتب بما يتلاءم مع الطموح المرجو من عدد الإصدارات وتنوعها، فلن تنجح ثقافة الأطفال المحلية في السيطرة على الدفع الغزير لتأثيرات الثقافات الأخرى القادمة من الغرب، وهي بعيدة كل البعد عن بيئة وثقافة الطفل العراقي».
ويقول الأديب كمال لطيف، إن «إهمال مطبوعات الأطفال المحلية جزء من أزمة اكبر، وهي إهمال الطفولة بشكل عام، وكل ما يتعلق بها، بضمنها إهمال الخطاب الإعلامي الموجه له، فنحن نفتقر لبرامج محلية وأفلام الرسوم المتحركة للأطفال أو حتى إذاعة مخصصة للأطفال».
تأثير هش
ويشخّص الأكاديمي الدكتور سعد مطر عبود اختصاصي علم نفس الطفل أسباب غياب الإصدارات الخاصة بالطفل العراقي، بأنه «ضعف واضح وتأثير هش للمؤسسات التربوية التي تعنى بالطفل، يرافقه ضعف المؤسسات التعليمية والمناهج الدراسية، وعدم الاهتمام بالجانب المعرفي والأدبي للأطفال قدر الاهتمام بالجانب التعليمي والأكاديمي».
ويوضح أن «الطفل اليوم صار يبحث عن الصور التي تحاكي شخصيته وأحلامه، وهذا ما اهتمت به معظم المطبوعات المستوردة من الخارج، حتى صار الطفل يلجأ إليها مقابل إهمال المطبوعات المحلية الشحيحة التي لا تستطيع اللحاق بالتطورات الطباعية والتقنية التي حصلت للكتاب المستورد».
قلة التخصيصات
ويؤكد مدير عام دار ثقافة الأطفال في وزارة الثقافة العراقية محمود أسود خليفة، أن «سبب قلة إنتاج مطبوعات الأطفال المحلية لا يعود لخلل في الإمكانيات الفنية أو المهارات الكتابية للعاملين في هذا المجال، وإنما إلى قلة التخصيصات المالية التي أثرت على كل نشاطات الدار، بما فيها المطبوعات الأخرى والنشاطات المسرحية، والفعاليات الفنية، وغيرها من النشاطات التي انحسرت بدرجة كبيرة خلال الأعوام الأخيرة».
ويؤكد خليفة أنه «في السابق كنا نطبع مجلتي مزمار ومجلتي بواقع 25 ألف نسخة لكل مطبوع أسبوعياً، ثم تراجع العدد إلى 20 ألف نسخة ومن ثم إلى 15 ألف نسخة، ووصل اليوم إلى 3500 نسخة، وننتظر التخصيصات لأجل طباعة النسخ المحجوزة والكاملة منذ أكثر من ستة أشهر دون جدوى، لتأخر إقرار ميزانية العام الحالي، وهذه كارثة كبيرة تمر بها ثقافة الأطفال في العراق».
ويلفت إلى أن «هناك مابين 12-18 مليون طفل عراقي، تقابله دار ثقافية واحدة ميزانيتها المالية صفر، ولم تنفع كل المناشدات التي أطلقت لإصلاح شأن الدائرة ومطبوعاتها، حتى وصل بنا الأمر إلى تبني فكرة جمع التبرعات من موظفي الدار لأجل إصدار عدد واحد من إصدارات مجلة «مجلتي» خلال الموسم الحالي.
