أعاد اللقاء الذي جمع رؤساء روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا في مينسك، أخيراً، إلى الذاكرة تلك الفترة من الزمن، التي التقى فيها قادة هذه الجمهوريات لحل الاتحاد السوفييتي في ملتقى «بلافيزا» في بيلاروسيا في 8 ديسمبر عام 1991، وكانت الشخصية الأبرز حينها الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، أما الشخصية الأبرز الآن فتتمثل في الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين.
وفي عام 1991 سعى الرئيس الأميركي جورج بوش الأب جاهداً للحفاظ على لحمة الاتحاد السوفييتي، لم يكن متأكداً من الطريق الذي سيسلكه الرئيس يلتسين. واليوم يعلق الرئيس الأميركي باراك أوباما الآمال على عقد تسوية، ولكنه غير متأكد من النتائج.
اللغز
هناك شك قليل بشأن بذل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي قصارى جهدهما لإقناع الرئيس الأوكراني، بترو بوروشينكو، بالتفاوض بفعالية. ويبقى موقف الرئيس بوتين غير واضح.
ولكن يمكننا التيقن من أنه سيكون مشابهاً لما عرف به رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل روسيا، عندما قال إنها «لغزٌ محاط بالغُموض داخل أحجية». وواصل تشرشل، رغم ذلك، تقديم فكرة لحل اللغز، قائلا: «ربما هناك مفتاح، وهو المصلحة القومية الروسية».
هناك أربع قضايا أساسية يجب معالجتها، وربما لن يكون ممكناً حلها كلها في اجتماع واحد. أولاً وقبل كل شيء، إيجاد حكومة لشرق أوكرانيا. ومن ثم، تأييد جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالسفر الجوي إلى أوكرانيا، والقرم وروسيا بشكل كامل.
وبالإضافة إلى ذلك، الاتفاق على جميع القضايا المتعلقة بخطوط أنابيب الغاز التي تمر عبر أوكرانيا. وأخيراً، وعلى الرغم من أنه قد يكون من المُبكر جداً الخوض في هذا، استنباط قرار بشأن المكانة الدولية لشبه جزيرة القرم، على غرار عقد إيجار دولي لأجل غير مسمى، لتأجير شبه جزيرة القرم إلى روسيا، على غرار الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوبا بشأن قادة غوانتانامو.
ضعف التوافق
وقد يبدو التوافق على صفقة كهذه أمراً مستحيلاً، ولكن هناك مؤشرات تدل على أنه أصبح جلياً للرؤساء الثلاثة أن من مصلحة دولهم إيجاد تسوية بعيدة المدى. ويمكن حل بعض الأزمات عبر اتخاذ إجراءات تدريجية، وأخرى عبر تسوية شاملة تستند على مقايضات كبيرة.
إذا لم يتم التوصل لاتفاق، فسيكون الأمر خطيراً. وسيتمثل هذا الخطر على أقل تقدير، في العودة إلى الحرب الباردة. وهناك خطر أعمق يتمثل في اندلاع حرب تتبادل فيها أوكرانيا وروسيا إطلاق النار.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، ولأنها اعتادت على قراءة التاريخ من وجهة النظر الأوروبية والآسيوية، فهناك محللون يسعون للفت النظر إلى وضع عام 1941، عندما فرض الرئيس الأميركي آنذاك روزفلت عقوبات تجارية قاسية على اليابان. وسيكون من الصعب للغاية احتواء الحرب الروسية الأوكرانية ضمن حدودهما ، لأكثر من بضعة أشهر فقط.
الشخص الوحيد الذي يمكنه التيقن من تحقق تسوية ما هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويشار إلى أن بلاده تعاني جراء العقوبات. وأسوأ تأثير للعقوبات هو ذلك غير مباشر مقارنة بالمباشرة منه.
وعلى سبيل المثال، تواجه شركة «روسنفت» النفطية الأكبر في روسيا، صعوبة في جمع الأموال، بسبب خشية البنوك الغربية خرق القواعد الدولية في هذا الشأن. وتصب مصلحة عقد اتفاق تسوية مباشرة باتجاه تنمية المصالح الروسية، ولكن الطريقة التي تقدم بها هذه التسوية غاية في الأهمية. وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأن بوتين يدرس الأمر لأنه يقبل الخضوع.
اتفاق تسوية
يجب أن يصاحب أي اتفاق تسوية الرفع الفوري للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا. وهذا يمهد الطريق للتعامل مع الأزمة الحادة التي فرضها تنظيم الدولة الإسلامية.
ويحتاج أوباما مساعدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي. ويمكن أن يكون الرئيس السوري الجديد شخصاً مرتبطاً بالأسد، ولكن يجب أن يكون أيضاً شخصاً قادراً على بناء تحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية. فالأمر أبعد بكثير من كون أوكرانيا على المحك.

