في مواجهة خيارات سيئة في سوريا، يعيد الرئيس الأميركي باراك أوباما إحياء التكتيك الذي اختبره في حرب سابقة: القيادة من خلف.

والمقصود بـ"القيادة من الخلف"، الطريقة التي وصف بها أحد مساعدي البيت الأبيض استراتيجية أوباما في ليبيا عام 2011، عندما علقت الولايات المتحدة الآمال على حلفائها لتوفير معظم المساعدات للثوار، فيما تبقى القوات الأميركية بدرجة كبيرة في الخلف.

وهذا لم يحصل، فثورة ليبيا استغرقت وقتا أطول مما كان متوقعا، والحلفاء لم يكونوا على مستوى المهمة، والطائرات الحربية الأميركية انتهى بها المطاف في وسط الميدان.

الآن يواجه أوباما في سوريا مشكلة مختلفة جدا، لكن معظم الضغوط تبقى هي نفسها.

فالجماعة الرئيسية في المعارضة المدعومة من أميركا، أي الجيش السوري الحر، مضت تترنح وهي على وشك الانهيار. وقوات أخرى مدعومة من الدول العربية ما زالت في الميدان، لكنها لا تحرز فوزا أيضا، فيما ازدادت قوة الجماعات المتشددة، وبعضها موال لتنظيم القاعدة.

ويشن نظام الرئيس السوري بشار الأسد حربا لا ترحم ضد المدنيين الداعمين للثوار. والحصيلة حرب أهلية تؤثر على الأقل في خمس دول.

الحل العسكري

وكان رد إدارة أوباما محدودا وحذرا: مساعدات إنسانية للاجئين، ودعم غير فعال للثوار، ومناشدات إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإجبار الأسد على الوساطة الديبلوماسية. وأي من تلك الردود لم ينجح.

ومؤتمر جنيف للسلام الذي روج له وزير الخارجية الأميركي جون كيري وصل إلى طريق مسدود بعد أسبوعين فقط من بدئه، بفضل رفض نظام الأسد التفاوض مع المعارضين الذين ينبذهم ويصفهم بالإرهابيين. وكيري وغيره من المسؤولين الأميركيين كرروا شعارهم بأنه لا يوجد حل عسكري للصراع السوري. لكن الأسد يعتقد عكس ذلك بوضوح.

حتى الإنجاز الدبلوماسي الوحيد الذي تزعم الإدارة أنها حققته، موافقة الأسد على تسليم أسلحته الكيماوية، قد تأخر، وقد أجل النظام ببعد بصيرة الشحنات الموعودة، لمعرفته انه طالما يمسك بالأسلحة، فان لأميركا مصلحة في بقائه. والوضع الآن أسوأ بكثير، مع النمو المتزايد للجماعات المتشددة في شمال سوريا وشرقها.

وحذر مدير المخابرات الأميركية جيمس كلابر أخيرا الكــونغرس من أن المنـــطقة قد أصبحت "مصدر قلق كبير"، لكونها ملاذا للمتطرفين وأرض تدريب محتملة للإرهابييـــن الذين قد يستـــهدفون الولايات المتــحدة. بتعابير أخرى، سوريا ليست أزمة إنسانية بعد الآن، إنها ساحة معركة في الحرب التي لم تنته ضد القاعدة وفروعها.

وهذا يشكل قضية داعمة لتحرك أميركي في سوريا، إذا كان أي شيء، فإنه أقوى مما كان في ليبيا منذ ثلاث سنوات.

لكن لا توجد شهية لذلك حتى الآن في البيت الأبيض ومساعد أوباما بن رودس صرح لمجلة "نيويوركر" السنة الماضية: "بالنسبة للرئيس أوباما، العراق كانت القضية المحددة الداعمة لهذه الفكرة، والان سوريا ترى من خلال تلك العدسة"، وهي عدسة من الشكوك تجاه التدخل الإنساني أو غيره.

بالتالي هناك نظرة جديدة من قبل الإدارة الأميركية بشأن الخيارات الأخرى، وتضع بعضا منها تحت التصرف.

تنسيق المساعدات

وقد عقد مسؤولون أميركيون، أخيرا، اجتماعا لرؤساء مخابرات الدول التي تدعم الثوار، واتفق المشاركون على تنسيق المساعدات الخاصة بهم بدلا من المنافسة كما كان الوضع في السابق.

وأعلنت الولايات المتحدة أنها ستزيد المساعدات العسكرية والتدريب ومساعدة مخابراتها للمعتدلين بين الثوار. وقال عدد من المشاركين إنهم سيبذلون مزيدا من الجهد للقضاء على المتشددين.

وذكر مسؤولو الإدارة أن واشنطن قد لا تعارض خطة تقضي بتوفير صواريخ مضادة للطائرات تطلق من على الكتف للجماعات الثورية المعتدلة لاستخدامها ضد الطائرات السورية التي تلقي البراميل المتفجرة. وقال أحد المسؤولين: "بلدان أخرى سوف تتخذ قراراتها حول نوع المساعدات التي ستقدمها".

وخيار وحيد إضافي قيد المناقشة هو توسيع برنامج التدريب الأميركي للثوار، يديره بالعلن الجيش الأميركي بدلا من البرنامج السري لوكالة المخابرات المركزية الأميركية المعمول به حاليا . لكن يبدو أن هذه الفكرة قد توقفت.

ويشبه جوهر برنامج إدارة أوباما القيادة من خلف. لكن كما كانت الحال في ليبيا، قد يواجه قريبا خيارا كان يأمل بوضوح أن يتجنبه، أشكال تدخل أكثر مباشرة، أو هزيمة قاسية بعواقب وخيمة على الولايات المتحدة.

 

تدخل أو هزيمة

 

في الوقت الراهن، يشبه جوهر برنامج إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما النموذج الأولي للتدخل الأميركي في ليبيا.

فالولايات المتحدة تعقد الاجتماعات، وتنسق الجهود، وتوفر معلومات المخابرات، لكن الاتكال على الآخرين لتوفير معظم المساعدات العسكرية المباشرة. بتعابير أخرى، القيادة من خلف.

وبهذه الحالة، يقول المسؤولون إن الهدف إجبار النظام على العودة إلى التفاوض. لكن حتى هذا الهدف المتواضع سيكون من الصعب تحقيقه.

كما هي الحال في ليبيا من المرجح أن يواجه أوباما ضغوطا أقوى للتصعيد إذا لم تصل النتائج قريبا. وكما هي الحال في ليبيا، قد يواجه قريبا خيارا كان يأمل بوضوح أن يتجنبه، أشكال تدخل أكثر مباشرة، أو هزيمة قاسية بعواقب وخيمة على الولايات المتحدة.