أفادت التقارير الأولى، التي تتابعت في مايو 1960، أن طائرة أميركية وصفت بأنها للرصد المناخي كانت تحلق انطلاقاً من تركيا فقدت، غير أن موسكو التي لزمت الصمت كانت تعرف حقيقة ما جرى، وبعد أن تركت الأميركيين يفصلون القول في قصتهم التي أرادوا بها التغطية على موقف، بادرت إلى كشف النقاب عن حقيقة الأمر.
فقد أعلن الزعيم السوفييتي آنذاك نيكيتا خروتشوف أن بلاده قد أسقطت طائرة تجسس أميركية داخل المجال الجوي لبلاده، بعد أن قطعت 1000 ميل في اختراقها له، وحلقت فوق منطقة محظورة. وقال: لدينا الطيار، لدينا الكاميرا، لدينا الصور ولدينا عملة الدولار الفضية الجوفاء التي تحتوي على إبرة مسمومة رفض طيار السي آي إيه جاري باورز استخدامها.
بعد ذلك بعام، سيتلقى الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي تقريعاً عنيفاً من خروتشوف في فيينا، وسيطل سور برلين من المجهول، وسيبدأ خروتشوف سراً في نشر صواريخ تحمل رؤوساً نووية في كوبا على بعد 90 ميلاً من "كي ويست" على الساحل الأميركي.
ترى، هل كان يمكن لتاريخ الحرب الباردة أن يكون مختلفاً إذا لم تقع حادثة الطائرة "يو-2" ؟ ربما.
على الرغم من ذلك، وبينما كان هناك منتقدون لإطلاق طائرة باور من طراز يو-2 في وقت قريب من عقد القمة الأميركية السوفييتية، فقد تفهم الأميركيون الحاجة إلى التجسس، حيث كان السوفييت مثلنا يقومون بنشر الصواريخ البالستية، وكان كل صاروخ منها قادراً على إحراق مدينة أميركية.
في مرحلة ما بعد أحداث سبتمبر أيضاً، تقبل الأميركيون ضرورة قيام وكالة الأمن القومي بعملية التلقي والغربلة عبر الاتصالات الهاتفية ورسائل البريد الالكتروني لإبقائنا آمنين من الهجمات الإرهابية، وتقبل الكثيرون المخاطر اليومية المتعلقة بانتهاك خصوصيتهم تحقيقا للأمن الأكبر من أجل عائلاتهم.
ويظل هناك رصيد من الثقة بين الأميركيين في أن وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية ووكالة استخبارات الدفاع لا تعمل من أجلنا فحسب، وإنما تدافع عنا.
أما مسألة المدى الذي سيمضي إليه الأميركيون في الاستناد إلى هذه الثقة، فقد بدأت تتعرض للمساءلة، حيث علمنا أخيرا، أن مسؤولين أميركيين كباراً قد سلموا 200 رقم هاتف تخص 35 من القادة الأجانب الأصدقاء لأميركا إلى هيئة الأمن القومي الأميركية للتنصت عليها.
وفيما يبدو، فإن قادة الحلفاء الذي تتعاون أميركا معهم لتحقيق أهداف مشتركة، قد تعرضوا على امتداد سنوات للتنصت على أحاديثهم الخاصة واستنساخها وتمريرها من قبل أصدقائهم الأميركيين. وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قد تعرض هاتفها لهذا النوع من التصنت قبل أن تصل إلى قيادة ألمانيا وأوروبا، الأمر الذي لم تتقبله بسهولة. وقد قيل لنا إنه يتعين علينا ألا نكون سذجاً، فالجميع يقوم بذلك، والتجسس هو أمر مألوف ليس بين الأعداء فحسب، وإنما بين الحلفاء كذلك. وقيل لنا أيضا إن هذه هي حال العالم وعلينا أن نتقبلها.
ولكن لماذا نقوم بهذا؟ هل الأمر كله يتعلق بالتعامل مع التهديد الإرهابي؟ أم أنه يرجع إلى مقدرتنا على القيام به واقتناعنا بأنه كلما زادت المعلومات المتوفرة لنا حتى لو كانت مسروقة من أصدقاء وحلفاء، كان ذلك أفضل؟ هل لأن ذلك يمنحنا وضعية أفضل في لعبة الأمم؟
يقول الدبلوماسيون الأميركيون إن إحدى مهامهم في الخارج هي معرفة ما تفكر به الحكومة المضيفة وما تخطط له سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، وإن هذا هو جانب من الدبلوماسية.
ترى أي نوع من الروح الرفاقية والتعاون والصداقة يمكن أن يصمد في بيئة يجري التنصت فيها على أقرب أصدقاء المرء، وتقبل ذلك باعتباره ممارسة أولى؟
لقد تغيرت العلاقات وتسمم بعضها ربما لفترات طويلة، ولماذا لا نتوقع رد فعل مماثل في صفوف الأصدقاء الأجانب الذين اكتشفوا أن أسرارهم الشخصية والسياسية يتم التنصت عليها يومياً وتحويلها إلى ملفات من قبل أصدقائهم الأميركيين، وتشق طريقها إلى اجتماع الاطلاع اليومي الذي يحضره الرئيس الأميركي.
صدام الأيديولوجيات
لقد كانت الحرب الباردة صداماً بين أيديولوجيات وإمبراطوريات حول مستقبل العالم، واتخذ رجال إجراءات صارمة للحفاظ على ما هو متاح لهم، وفي نهاية الحرب الباردة، لم تتم تنحية التكتيكات والإجراءات القديمة جانباً، وإنما جرى تطويرها، ولم يعد استخدامها الآن مقتصراً على توظيفها ضد القاعدة وأمثالها، وإنما أصبحت تستخدم أيضاً ضد الأصدقاء والحلفاء.
في نهاية الحرب الباردة، تحدثت جين كيركباتريك المندوبة الأميركية السابقة للأمم المتحدة بلهجة ملؤها الأمل عن إمكانية أن تصبح أميركا "بلداً عادياً في زمن عادي". يبدو أن الأزمان العادية لن تأتي أبداً.
