من جديد، شهدت القاهرة ومدن مصرية أخرى أحداثا تثير مشاعر مريرة، حيث بدت هذه المدن وقد انقسمت ولاحت بعض الأحياء خاوية على نحو بالغ الغرابة، وأوصدت المتاجر أبوابها واختفت السيارات من الشوارع، بينما اندلعت أحداث عنف في أحياء غيرها، وتعالت سحب الغاز المسيل للدموع وانطلقت السيارات المدرعة في أرجائها.
ما من شيء من هذا خرج عن نطاق التوقعات، فالطريق الذي قادنا إلى هذا المشهد تم اختياره عن عمد وعلى امتداد الزمن، فمنذ طالب الفريق أول عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع المصري بتفويض من الشعب المصري للتعاون مع الوضع الأمني، مضت مصر تقترب أكثر فأكثر من الأزمة، واختارت جماعة الإخوان المسلمين قاصدة أن تتحصن بمواقع الاعتصامات لإيجاد مناطق للتحدي، وأعلنت الدولة أنها مضطرة لتفريق المعتصمين، وكانت عدة جولات من المفاوضات قد منيت بالفشل.
وكان الخطاب الصادر عن الجانبين مما يمكن الاعتراض عليه، وإعلان عدم القبول به، وقد ارتفعت بعض الأصوات مشددة على ضرورة استخدام الشرطة لأقل قدر ممكن من العنف، وعلى عدم قابلية حقوق الإنسان للتفاوض حولها، وأننا بحاجة إلى أن نفكر فيما سيحدث بعد فض الاعتصامات. ماذا عن الثلاثة ملايين أو نحو ذلك الذين سيشعرون الآن بأنه قد تم التخلي عنهم؟.
خطاب الجماعة
ولكن خطاب الجماعة باللغة العربية كان طائفيا على نحو شرير، واستجابة لتدخل الشرطة لفض الاعتصامات، أحرقت كنائس في أسيوط، سوهاج، المنيا، السويس والعريش. وفي المنيا أحرقت مدرسة الجزويت، وتعرضت بيوت الأقباط وشركاتهم للهجوم، وفي وسط هذه المعمعة كتبت بوابة حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين تقول:" حاولت مجموعات من الأقباط البلطجية بحماية الشرطة تفريق المعتصمين". إن هذا الخطاب الطائفي الذي روجت له جماعة الإخوان المسلمين وأعمالها التدميرية والإجرامية التي قاد إليها هذا الخطاب على امتداد الشهور الماضية أمور لا تغتفر. ومع ذلك، فإنه وسط المئات والألوف الذين كانوا في أماكن اعتصام الجماعة ، كان هناك الكثير من أصدقائنا وأقاربنا، وهناك تغريدة تداولها الكثيرون على موقع تويتر تقول :" هناك ثلاثة من رفاقي في الثورة لهم إخوة في اعتصام الإخوان المسلمين ، ما الذي يفترض بي أن أشعر به؟" وكما قلنا نحن في شوارع الثورة باقتناع تام :" ليست هناك فكرة يقتلها السجن وليس هناك غد تؤجله القوة" فكذلك يقول الإخوان المسلمون الآن.
أيديولوجية طائفية
ولكن الجماعة برهنت الآن على أن أيديولوجيتها ومواقفها الأساسية هي طائفية بالأساس. وهذا أمر لا يمكن أن يكون موضع تنازل، حيث يتعين الدفاع عن الموقف المنطقي في مواجهته. غير أن ما قامت به الشرطة لن يهزم مثل هذه الرؤية العقيدية ، فالشرطة والجيش يمكنهما فقط الرد بالقوة على التحديات الموجهة للسلطة، وكثيرون منا يواصلون تذكير الجميع بأن الجيش سبق له أن تصدى لنا في الشوارع ، وأن الجيش والشرطة ليس حارسين للديمقراطية وحقوق الإنسان أو لأي قيم ثارت مصر من أجلها في يناير 2011. لوهلة قصيرة ، قبل عامين مضيا، اعتقدنا أن المؤيدين التقدميين والليبراليين والمنتمين للإخوان المسلمين يمكنهم العمل معا من أجل دولة مدنية ، وبدلا من ذلك، فإن جماعة الإخوان المسلمين عندما وصلت إلى السلطة استقطبت الشرطة والجيش. واليوم فإن الجماعة والبلاد والثورة تدفع الثمن.
ترجمة: عمر حرزالله
فقدان التعاطف
لا شك في أن جماعة الإخوان المسلمين تشعر أن العدالة والشرعية في صفها، ولا شك في أن العام الذي أمضته في السلطة قد أفقدها تعاطف البلاد بكاملها، ولكن لا شك في أن الأمر كان سيكون أفضل لو أن الجماعة قد أخرجت من السلطة بالتصويت وليس بالقوة.
ترى هل كان يمكننا الانتظار حتى إجراء انتخابات برلمانية؟ إن الملايين من المصريين الذين تدفقوا إلى الشوارع في الثلاثين من يونيو الماضي لم تعتقد ذلك. هم قد خرجوا استجابة لطلب السيسي بالحصول على تفويض، وتدخلت أجهزة الإعلام وأطلقت حملة حب للمؤسسة العسكرية. وهكذا فقد حدث الآن ما كنا نخشاه، حيث دخلت الشرطة مدعومة بالجيش إلى المشهد، وخلال كتابة هذه السطور كان الرقم الرسمي لعدد القتلى قد زاد على 200 قتيل، وهذا الرقم آخذ بالارتفاع، وجماعة الإخوان المسلمين تتساءل كيف يسمح "الشعب" بحدوث هذا. وقد ناشدت الصحافة الأجنبية والرأي العام العالمي التحرك.
