كانت مصر بمثابة الطفل المدلل بالنسبة لأولئك الذين اعتقدوا أن الانتفاضة العربية ستكون فاتحة لموجة جديدة من الديمقراطية، وبعض السياسيين الغربيين كان مندفعاً جداً، عندما أطاح المصريون بالرئيس المصري السابق حسني مبارك في فبراير عام 2011، وأجروا انتخابات بعد ذلك بسنة. فعلى سبيل المثال، وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون، أشارت إلى التصويت بأنه «تاريخي»، ويشكل «معلماً مهماً آخر في انتقال مصر للديمقراطية».
والآن، في مواجهة «الانقلاب العسكري» في يوليو 2013، قد يميل السياسيون الغربيون إلى الابتعاد عن مصر، وهم يشعرون بالإحباط. لكن يجدر تذكير أولئك الذين فوجئوا بـ«الانقلاب العسكري»، أن الديمقراطية لم تكن على الإطلاق أهم هدف للمحتجين المصريين. وفي ظل رئاسة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، لم تفعل الديمقراطية شيئاً يذكر لوقف تراجع الاستثمارات الأجنبية، والانقطاع في الإنتاج، والتراجع في السياحة، وحالة الفوضى المعممة. ومصريون كثر، كحالهم على الدوام، كانوا يريدون إطعام أسرهم أولاً، واعتقدوا أن الإطاحة بمرسي تشكل الخطوة الأولى للقيام بذلك.
الاستقرار الضعيف
وفي أعقاب الانقلاب، كانت آفاق الاستقرار في مصر قاتمة. بالنسبة لبعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين، يشكل هذا الحدث سبباً لحمل السلاح. فأجهزة الأمن المصرية تحتجز مرسي، وقد ألقت القبض على قادة أساسيين من الإخوان المسلمين، وقد لا تسمح لحزب «الحرية والعدالة» التابع للإخوان المسلمين بالمشاركة في الانتخابات المقبلة. وفي أعقاب تدخلهم، أغلق العسكر والأجهزة الأمنية المحطة التلفزيونية التابعة للإخوان المسلمين «مصر 25»، وعدداً من المحطات ذات التوجه المتشدد. كما أغلقوا صحيفة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وحاولوا حجب موقعين على الأقل على شبكة الإنترنت لها.
وأخذاً في الاعتبار التقلبات المتزايدة في الأوضاع في مصر، يتعين على الولايات المتحدة أن تركز على أولويات عدة:
أولاً، المساعدة في منع اندلاع حرب أهلية في مصر. ويبدو أن بعض أنصار الإخوان المسلمين يستعدون لصراع طويل الأمد ضد الجيش المصري، ولديهم إمكانية الوصول إلى وفرة من الأسلحة والذخائر.
وعلى الرغم من وجود اختلافات عدة بين مصر اليوم والجزائر في أوائل التسعينات، إلا أنه يتعين على الحكومة الانتقالية في مصر أن تأخذ عبرة من التجربة الجزائرية. وقرار الحكومة الجزائرية بحظر جبهة الإنقاذ الإسلامية وإلغاء الانتخابات الديمقراطية أثار حرباً أهلية دامت عقداً من الزمن، وأسفرت عن مقتل ما يصل إلى 100 ألف جزائري. وفي مصر، يتعين على الولايات المتحدة أن تشجع الحكومة المصرية على السماح لجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية الأخرى بالمشاركة في أي انتخابات مقبلة، طالما امتنعت عن العنف والتزمت بالتداول السلمي السلطة. ويبقى أن نرى ما إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين ستوافق على هذا الشرط من عدمه.
ثانياً، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها للعمل مع المسؤولين المصريين على مواصلة محاربة الإرهاب. والمجموعة الإرهابية التي كانت متورطة في عملية اغتيال السفير الأميركي لدى ليبيا، كريستوفر ستيفنز، عام 2012، جاءت من منشأ مصري، ولها علاقات مباشرة مع تنظيم القاعدة. وعدد من المجموعات الإرهابية في سيناء تشكل تهديداً لمصر وحكومات أخرى في المنطقة.
وما هو أكثر من ذلك، فإن ما لا يقل عن ثلاث منظمات تابعة لتنظيم القاعدة، وهي القاعدة في المغرب الإسلامي، والشباب في الصومال، وجبهة النصرة في سوريا، دعت المصريين علناً إلى امتشاق السلاح ضد الحكومة المصرية. وبناء على هذا التهديدات، يتعين على الولايات المتحدة تبادل المعلومات الاستخبارية مع أجهزة الأمن المصرية حول المنظمات الإرهابية الرئيسية ومواصلة الضغط من أجل اعتقال النشطاء.
غياب الديمقراطية
وثالثاً، يتعين على صناع السياسة الأميركيين تشجيع الإصلاحات الليبرالية، ودعم المجتمع المدني، وتأمين المساعدة الفنية لمراجعة الدستور المصري، ودعم نظام البلاد المالي. لكن ينبغي ألا تبني واشنطن سياستها على افتراض أن مصر أو المنطقة سوف تصبح ديمقراطية سريعاً.
والديمقراطية يستحيل فرضها عملياً من الخارج. وأي محاولة من قبل واشنطن لجلبها إلى مصر ستفشل إذا كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية غير ناضجة لها. و«الانقلاب العسكري» في مصر يمثل إشارة إلى كونها كذلك، ويتعين على واشنطن ممارسة سياستها مع العالم العربي الذي أمامها الآن، وليس مع العالم العربي الذي ترغب في أن يكون.
الاهتمام الرئيسي
قد يكون السياسيون الغربيون الآن، في مواجهة «الانقلاب العسكري» في يوليو 2013 الذي خلع خلف مبارك الرئيس المصري السابق محمد مرسي من الرئاسة، ميالين للابتعاد عن مصر، وهم يشعرون بالإحباط. لكن لا ينبغي شل السياسة الأميركية بالتركيز الضيق على الديمقراطية، بل أكثر من أي وقت مضى، يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها أن يفكروا أولاً بحماية مصالحهم الاستراتيجية الحيوية في مصر والمنطقة.
بالنسبة لأولئك الذين فوجئوا بـ«الانقلاب العسكري»، يجدر التذكير أن الديمقراطية لم تكن على الإطلاق أهم هدف للمحتجين المصريين. ووفقاً لاستطلاع لمركز «بيو» للبحوث في عام 2013، كان المصريون بمعظمهم أكثر اهتماماً بالحصول على اقتصاد أقوى، ونظام قضائي أكثر قوة، وتحسين القانون والنظام، من اهتمامهم بالانتخابات وحرية التعبير.
