الضربة الأكبر للإرهاب، في السنوات الأخيرة، لم تأت من مصرع أسامة بن لادن في مجمعه في أبوت أباد بباكستان، بل جاءت من الربيع العربي. وعندما خرج ملايين العرب إلى الشوارع احتجاجا على حكامهم الدكتاتوريين، رأى العالم أنهم ينشدون الحرية والعدالة، وليس دولة متشددة.
وفي الواقع، ربما ما شكل الضربة الأشد قسوة لنظرة المتشددين إلى العالم كان رؤية جماعة الإخوان المسلمين، المنظمة الإسلامية الأكبر في العالم العربي، وهي تنضم إلى التظاهرات الجماهيرية الحاشدة في ميدان التحرير عام 2011 للمطالبة بالانتخابات، وليس بالشريعة. وقد أدرك زعيم القاعدة أيمن الظواهري بالتأكيد الخطر المترتب على ذلك، وشجب الإخوان لمشاركتهم في العملية الديمقراطية.
بهجة التغيير
وهناك بهجة الآن في العديد من الدوائر في مصر وخارجها، بسقوط جماعة الإخوان المسلمين. ومما لا شك فيه أن حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي كانت كارثية بأبعاد كثيرة، فقد حكمت جماعة الإخوان بأسلوب استثنى شرائح واسعة من المجتمع، واستخدمت وأساءت استخدام القانون ،وبالغت في ذلك.
وعلى القدر نفسه من الأهمية كانت الجماعة عديمة الكفاءة تماما في توجيه اقتصاد مصر المختل أصلا إلى الحضيض. وأصبحت لا تحظى بالشعبية ،بعد أن تحول الملايين من الناس الذين دعموها إلى معارضين لها بنشاط.
وجماعة الإخوان كانت بالتأكيد ستتلقى هزيمة نكراء في الانتخابات البرلمانية المقبلة. ولو أخفقت سياسيا وانتخابيا وديمقراطيا، لكان الأمر دفعة هائلة لقوى الليبرالية والإصلاح في العالم العربي. وكان يمكن أن ترسل إشارة إلى أن "الإسلام السياسي" ربما فكرة رومانسية حميمة وقريبة من القلب، لكنها غير ملائمة بتاتا للحكم.
الخطر الكبير
وبدلا من ذلك، فإن الخطر الكبير المترتب على ما حصل في مصر أخيرا سوف يتمثل في تحول اتباع الإخوان المسلمين مرة أخرى إلى ضحايا، وبعضهم سيخلص إلى أن الديمقراطية تشكل طريقا مسدودا.
والنقاش الأهم في مصر، منذ أحداث 3 يوليو، يدور حول هذا السؤال: كيف سيرد أتباع التيار الديني على طرد الإخوان المسلمين؟ على مدى عقود، كان هناك خلاف بين تلك المجموعات حول تبني الديمقراطية أو العمل بوسائل سرية.
وجماعة الإخوان نبذت العنف منذ 40 عاما تقريبا، واختارت العمل من خلال المنظمات الاجتماعية والسياسية، وضغطت من أجل التغيير الديمقراطي. وهذا الموقف تم انتقاده ومعارضته بقوة من قبل الجماعات الأكثر تشددا في مصر وما وراءها. وتلك المجموعات تشعر الآن كما لو تمت تبرئتها.
ولننظر إلى العالم من منظور شخص يتبنى السياسة الإسلامية. ففي عام 1991، فاز الإسلاميون في انتخابات وطنية في الجزائر كانت حرة ونزيهة، فما كان من الجيش الجزائري إلا أن ألغى النتائج، واطلق حملة اعتقالات وعنف ضد الحزب الفائز.
وفي عام 1995، فاز الإسلاميون بالانتخابات في تركيا، ليجد حزبهم نفسه وقد أجبر على الخروج من السلطة بعد ذلك بسنتين فيما يشار إليه "بالانقلاب الناعم". وفي عام 2006، فازت حركة حماس بالانتخابات الفلسطينية، فتمت مقاطعة الحكومة المنتخبة من قبل أميركا ومعظم حلفائها.
الضربة الأخيرة
وفي مصر، فاز الإخوان المسلمون في صناديق الاقتراع ثلاث مرات. فازوا في الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية، ومن ثم في استفتائهم على الدستور الجديد. وفي السنة الماضية، قام قاض بحل مجلس الشعب، والآن تم تعليق الدستور، وأودع الرئيس السجن. يكتب أحد قادة الإخوان المسلمين عصام الحداد، على صفحته في "فيسبوك": "الرسالة التي سيتردد صداها على امتداد العالم الإسلامي بشكل عال وواضح: الديمقراطية ليست للمسلمين".
ومأساة العالم العربي انه محاصر بين قوتين، جنرالات غير ليبراليين وسياسيين غير ليبراليين، وأي منهما لا يشكل أرضية خصبة لازدهار الديمقراطية الليبرالية.
وأمام مصر فرصة أخرى. وبعض الأمور التي قام بها الجيش منذ الثالث من يوليو كانت صائبة، حيث حدد بسرعة موعدا للانتخابات وصياغة دستور جديد. لكن التحدي المركزي الذي يواجهه الآن يتمثل في إعادة قوى التيار الديني إلى العملية السياسية. وفي سبيل أن تبقى مصر مستقرة، ناهيك عن ديمقراطية، يجب أن يسمح للإخوان المسلمين بالمنافسة في الانتخابات عند كل مستوى من المستويات.
والولايات المتحدة اكتفت بالتفرج، ولم تتدخل في هذه الثورة. وهذا يعود إلى أن الأحداث التي تتكشف في مصر كانت نتاج وضع سريع الحركة في بلاد تشهد استقطابا حاداً في وسط ثورة اجتماعية وسياسية. ولا توجد قوة خارجية يمكنها أن تتنبأ بالتحديد ماذا سيحصل، ولا يفترض بها القيام بذلك. والمصريون هم الذين سيقررون ما سيحصل في مصر، ومن ثم سيتعامل العالم الخارجي مع تلك الحقائق المصرية.
ظاهرة معقدة
في عام 1997، كتب فريد زكريا مقالة بعنوان: "صعود الديمقراطية غير الليبرالية". وفيها وصف الظاهرة المقلقة لحكومات منتخبة تقوم بإساءة استخدام ممنهجة لحقوق الأفراد وحرمان الناس من الحرية. وأشار إلى انه في الغرب على مدى نصف القرن الماضي، كانت الديمقراطية والليبرالية تسيران جنبا إلى جنب، لكن في العديد من الدول النامية كانتا تنفصلان. وكانت الانتخابات تنتج أنظمة غير ليبرالية.
ومصر في ظل حكم مرسي كانت كتابا في الديمقراطية غير الليبرالية، لكن الجيش المصري ليس بالضرورة قوة للحرية أو حكم القانون. وهو نفسه النظام الذي أدار مصر على مدى ستة عقود. والخيار في مصر ليس بين الديمقراطيين السيئين والأوتوقراطية المفتوحة والكفاءة وفق النموذج السنغافوري، بل هو بين الجنرالات غير الليبراليين. والسياسيين غير الليبراليين.
