دارت الثورة المصرية في 2011 حول العديد من الأمور، ولكن إحدى النقاط التي استقطبت المصريين كافة تمثلت في الحاجة إلى نظام دستوري جديد ،يطور الديمقراطية ،ويضمن أن تخدم الحكومة مصالح المجتمع بأسره.

وعندما شعرت أعداد هائلة من المصريين بالسخط على النتيجة التي وصلت إليها، جددت ثورتها في 30 يونيو، ومجددا وصلت المظاهرات التي قامت بها الجماهير إلى ذروتها مع قيام المؤسسة العسكرية المصرية هذه المرة بإبطال نتائج الثورة السابقة.

هكذا تمت تنحية الرئيس وتعطيل الدستور ، ولكن هذه المرة تصدت الثورة لمحمد مرسي وللدستور الذي وقف وراءه جماعة الإخوان المسلمين. والآن سيحاول المصريون مجددا تحقيق مستقبل ديمقراطي ومستقر. ويشير بعض المراقبين إلى أنه لسوء الحظ فإنهم قد لا يحققون هدفهم الأصلي في وقت قريب.

تقليد دستوري

لا يرجع ذلك إلى أن المصريين ليس لديهم تقليد دستوري، فهم لديهم مثل هذا التقليد ،ويعود إلى أبعد من نظيره في العديد من الدول الأوروبية ، كما أن ذلك لا يرجع إلى أن التقليد الدستوري المصري يفتقر إلى النضج والثراء أو الاستجابة الشعبية، فهو يتمتع بكل هذه الأمور.

غير أن ما تفتقر إليه مصر هو التقليد الصحيح في صياغة الدستور، فقد كانت المشكلات الإجرائية بمثابة كعب أخيل في التحول الذي شهدته مصر عام 2011، والآن تقدم المؤسسة العسكرية المصرية خريطة طريق جديدة. ويشير بعض المراقبين إلى أن الخطة الجديدة تعاني من بعض المشكلات، وسوف يجري تنفيذها في مناخ لا ينقصه الاضطراب.

في عام 2011، كان هناك سبب يدعو للتفاؤل ، فقد ساد في مصر إجماع على أن الدستور الجديد ينبغي أن يكون ديمقراطيا ،ويحكم حقوق الإنسان، وأن يقلص سلطة مؤسسة الرئاسة التي كانت في ظل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك غير محدودة تقريبا. وقد ثارت خلافات حول الدور الصحيح للدين في الدستور ولكن واضعيه تمكنوا من الوصول إلى حلول وسط.

وكانت النتيجة هي أن المصريين أصبح لديهم دستور ،ولكن بدون قواعد مقبولة على نطاق واسع للعبة السياسية. كما لم تكن هناك طريقة سهلة لتسوية الخلافات بين الأجنحة السياسية المختلفة ، ولا شك في أن جانبا من اللوم يقع على جماعة الإخوان المسلمين التي استغلت ثقلها الانتخابي للهيمنة على هذه العملية.

بذور الصعوبات

وفي حقيقة الأمر أن بذور الصعوبات التي واجهتها مصر قد غرست في وقت أسبق من ذلك بكثير ،عندما قرر العسكريون تفضيل التحرك السريع خلال الانتقال في 2011. ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما كرسوا سابقة خطيرة حيث أشاروا إلى " الشرعية الثورية" وقالوا إنه إلى أن تتم كتابة الدستور الجديد فإن قواعد اللعبة السياسية هو ما تحدده المؤسسة العسكرية حتى لو غيرت هذه لمؤسسة رأيها.

وعندما انتخب مرسي رئيسا لمصر قبل كتابة الدستور، زعم تمتعه بالسلطة نفسها، ثم عندما تقدم بإعلانه الدستوري في نوفمبر 2012، لكي يعجل بتحريك العملية السياسية في البلاد، كان في الواقع يحذو حذو قادة المؤسسة العسكرية.

وكانت النتيجة قاتلة، فربما حصل مرسي والإخوان المسلمين على ما أرادوه في المدى القصير، ولكن دستورهم الجديد عجل بنهايتهم، والآن تواجه مصر عملية دستورية أخرى.

وهذه العملية تبدو أيضا وقد حملت طابع التعجل أو الافتقار للأحكام في التخطيط لها، فمنصب الرئيس المؤقت شغله عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا، وهو شخصية لها ثقلها ولكنه مجهول لعامة الناس، ويتمتع فيما يبدو بالسلطة المنفردة لتحديد النظام الدستوري المؤقت حسبما يراه.

والمسائل المهمة المتعلقة بالسياق تم حذفها ، وقد وعد قادة المؤسسة العسكرية استشارة الجميع ولكنهم وضعوا آلية غامضة للقيام بذلك، ووعدوا بتعيين لجنة لتقديم الإصلاحات لدستور 2012 (وتلك فيما يبدو طريقة لإحباط أي محاولة لإعادة فتح النقاش حول البنود التي يحبذها العسكريون في تلك الوثيقة) ولكنهم لم يقدموا إضاءة لم سيتم تعديله أو كيفية القيام بذلك.

خريطة طريق

 

تبلغ خريطة الطريق الناخبين المصريين الذين يشعرون بالتعب والإرهاق، أنهم سيتم استدعاؤهم إلى صناديق الاقتراع مجددا لإعادة انتخاب مجلسي النواب والشورى ورئيس جديد للجمهورية وربما الموافقة على التعديلات على الدستور. والإطار القانوني الذي سيكون بمثابة دليل لهذه الانتخابات قد يحتاج إلى تعديل ولكن كيفية القيام بذلك ليست معروفة على وجه الدقة (قدم مجلس الشورى الذي هيمن عليه الإخوان المسلمون مشروعا لقانون الانتخاب للمحكمة الدستورية العليا أخيرا، ولكن المحكمة لم توافق على ذلك المشروع، ومن غير الواضح حتى الآن من الذي سيدخل تغييرات على ذلك المشروع إذا قالت المحكمة إنه يحتاج إلى تعديلات).