طرد الفرنسيون جمهرة من المقاتلين المتشددين في مالي، وسقط خمسة جنود في صفوفهم، ويبدو أن المدنيين نجوا من القتال.

والآن، يقول الفرنسيون إنهم على أتم الاستعداد للانسحاب ومغادرة مالي، لكن انتصاراتهم الأولية هناك تبدو معرضة للانيهار في ظل حالة الفوضى السياسية في البلاد والهجمات التي يشنها المتمردون في مدن كان ينظر اليها باعتبارها آمنة.

وكانت حرب محدودة ومكثفة قد اندلعت في مالي في 11 يناير الماضي، في أعقاب شن الثوار، الذين سيطروا على شمالي مالي طوال السنة الماضية، حملة طموحة باتجاه الجنوب، حيث استولوا في طريقهم على مدن عدة وسجلوا انتصارات مفاجئة.

وفي أعقاب ذلك، طلبت حكومة مالي بجيشها المبعثر، المساعدة من المجتمع الدولي، فاستجابت فرنسا بمجموعة من الغارات الجوية داخل المناطق الوسطى والشمالية للبلاد. وقد برر الفرنسيون التحرك من داخل فرنسا، بأنه عمل ضروري لتفادي أفغانستان جديدة في غرب أفريقيا، البوابة الخلفية لأوروبا.

ومنذ ذلك الحين، فإن الثوار الذين تربطهم صلات بتنظيم القاعدة، هجروا المدن التي كانوا يسيطرون عليها، وتلاشوا في المشهد العام.

وبالتأكيد، كان التحرك الفرنسي في الأشهر الثلاثة الأخيرة مثار إعجاب يحتذى به لتدخل عسكري حديث، شن من السماء بأعداد من الجنود على الأرض لا تزيد على بضعة آلاف.

ادعاء خاطئ

لكن الادعاء بأن حرب مالي ستكون قضية نظيفة كان قد تحطم في فبراير الماضي، عندما هزت غاو، المدينة الكبرى في شمال مالي، تفجيرات انتحارية عند أبواب المدينة.

ومنذ ذلك الحين، تورط الجنود الفرنسيون والتشاديون في قتال عنيف مع المسلحين الإسلاميين قرب الحدود الجبلية لمالي مع الجزائر، ولقد تركت سلسلة من التفجيرات الانتحارية والاشتباكات المسلحة المطولة، مدن غاو وتمبكتو معلقتين في الميزان.

والسؤال هو، عما إذا كان الثوار في مالي سيردون على الهجوم، كان الرد عليه بالإيجاب. والآن، هل تستطيع فرنسا وحلفاؤها الأفريقيون، والمجتمع الدولي الأوسع نطاقاً، سيترجمون أو بإمكانهم ترجمة الانتصارات التكتيكية ضد الراديكاليين الإسلاميين في شمالي مالي إلى أهداف استراتيجية أوسع نطاقاً لتحقيق الاستقرار والسلام الإقليميين.

و»عملية سرفال»، حسبما يطلق عليها الفرنسيون، أجبرت الثوار على التراجع، لكنها لم تهزمهم، ومساحات شاسعة من الأراضي ما زالت غير آمنة. وتتعرض مدن كانت تعتبر آمنة للهجمات بصورة منظمة، الأمر الذي يثير المخاوف من أن النجاحات الأولية يمكن عكسها بسهولة.

يشكك رودي عطا الله، الذي خدم بصفة مدير مكافحة الإرهاب في أفريقيا بوزارة الدفاع الأميركية، بوجهة نظر القائد الفرنسي القائلة إن ظهر تنظيم القاعدة في المنطقة قد قصم، فيقول: «أنا بكل أمانة أشك بذلك، فعمليات فرنسا كانت مقصورة على حدود مالي، لكن الإسلاميين يشنون هجمات كر وفر عبر الحدود. ومن الناحية العملية، ربما تمكن الفرنسيون من شرذمتهم، لكن ما إن تنسحب فرنسا، حتى يعود الثوار».

لكن عودتهم لا تشكل سبباً بحد ذاته لبقاء الفرنسيين وقوة الأمم المتحدة في شمالي مالي إلى ما لا نهاية. فعند نقطة معينة، يجب أن تدافع مالي عن أراضيها. لكن السياسة فيها مشلولة، وجيشها في حالة سيئة، وبحاجة إلى إعادة ترميم، وقد تمر أشهر أو سنوات قبل إيجاد دولة صلبة متينة في مالي.

وفي العاصمة باماكو، من الصعوبة العثور على إثبات يشير إلى وجود حرب. ففي أجواء الحر القاسية والأجواء المغبرة والضجيج الشديد، هناك شعور بأن الحرب مجرد شائعة، والإثبات الوحيد على وجودها هو الرايات الفرنسية التي أخذت ترفرف في كل مكان بعد 11 يناير الماضي. لكن الطريق لإعادة توحيد مالي مجدداً، بعد هذا الصراع، يجب أن يمر عبر باماكو، أو أن يبدأ من هناك.

هدف غامض

عندما تدخل الفرنسيون في مالي، كان هناك هدف أساسي، يتمثل في استعادة «سلامة أراضي» البلاد، لكن هذا الهدف يتسم بالغموض والالتباس، ويمكن أن يفسر بطرق عدة.

يقول فرنسوا هايزبورغ من مؤسسة البحوث الاستراتيجية، التي تتخذ من باريس مقراً لها: «إذا نظرت إلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة بالاستقرار طويل الأمد، يتضح أن تلك الظروف ليست في موقعها المناسب، لكن هذا لم يكن يوماً ضمن نطاق «عملية سرفال».

ويضيف هايزبورغ إن تعريفاً لسلامة الأراضي المستعادة «على نحو سلبي»، يعني «طرد الثوار». لكن تعريفاً «إيجابياً» لهذا المفهوم يعني «حكومة شرعية في باماكو تسيطر على مجمل أراضي البلاد»، ويقول: «هناك فجوة كبيرة بين هذين التعريفين».

ومالي تحتاج إلى حكومة شرعية وقادرة في الوقت نفسه على اتخاذ القرارات الصعبة بالنيابة عن شعبها، وهي سمات تفتقر إليها الحكومة الحالية. ولقد هوى الانقلاب بمالي إلى الحضيض، وأشاع بها الفوضى، حيث أسقط الرئيس المالي أمادو توماني توريه والمنتخب لولايتين قبل أسابيع من الانتخابات.

 وحكومة مالي هي حكومة في طور الانتقال، بشراكة غريبة وفضفاضة بين الرئيس المؤقت ديونكوندا تراوري، السياسي العتيق المترسخ في الطبقة السياسية التي يشار إليها بالسوء الذي تستحقه، وعناصر من الطغمة العسكرية السابقة. وعلى الرغم من أن العسكريين تنحوا رسمياً، إلا أن قادة الانقلاب المختلفين يستمرون في ممارسة السلطة من حامية كاتي بالقرب من باماكو.

ووسط الشلل السياسي المتواصل، وبطلب من ضغوطات خارجية، لا سيما من أميركا والاتحاد الأوروبي، فإنه من المقرر إجراء جولة أولى من الانتخابات في 7 يوليو المقبل.

أولوية مباشرة

ومن غير الواضح مدى أهمية إجراء الانتخابات الآن، وفيما يوافق كثيرون على أن مالي تحتاج بإلحاح إلى حكومة بمؤسسات تؤدي وظائفها لمعالجة المشكلات، فإن قلة من الناس تعتقد بأن الانتخابات هي أولوية مباشرة.

يتساءل إبراهيم مايجا، وهو مواطن من غاو معارض للانتخابات: «من سيترشح في هذه الانتخابات؟ وما هي برامجهم؟ «ومايجا يعيش على بضعة دولارات في الأسبوع، يعطيها له عمه لحراسة ملكيته، وهو يريد استخدام موارد الدولة في أمور غير عملية التصويت.

يقول: «الانتخابات ستكون إلهاء للشعب. فالأولوية يجب أن تكون للأمن والحصول على الطعام هنا»، وكان هناك نقص في إمدادات الغذاء بسبب غياب الأمن أخيراً.

وتشير عشرات المقابلات مع ماليين عاديين في الشمال، إلى أن الأمن والطعام وأسعار الوقود والنقص في الاحتياجات الأساسية، تجعل الانتخابات هماً ثانوياً.

وحتى في باماكو، يصعب العثور على ذلك الحماس لانتخابات 7 يوليو.

ويتعجب مواطن في باماكو يدعى يوتشا ديكو: «كيف يمكن أن تساعد الانتخابات في هذه اللحظة، هل الشعب في أميركا يقبل بانتخابات من دون حملة حقيقية؟».

ويشرب ديكو الشاي مع أصدقائه، وتحيط به قطع غيار متناثرة في متجره المليء بالإلكترونيات المستعملة في باماكو. ويعتقد أن انتخابات يوليو ستكون لصالح الأحزاب السياسية الراسخة التي لن تقدم أفكاراً جديدة، والأسوأ من ذلك، يقول إن إجراء انتخابات متسرعة، يمكن أن يزيد من انقسام البلاد» فيقول: «ستكون انتخابات من دون أي سجال فعلي، الفائزون فقط سيقبلون بالنتائج». والخبراء أيضاً يشككون بالحكمة من وراء انتخابات يوليو.

يقول عالم الأنثروبولوجيا بروس وايتهاوس في جامعة «بيت لحم» في فلسطين، والذي سبق له أن عمل في مالي: «أنا بالتأكيد لا أعتقد أن موعد يوليو قابل للتحقيق، وأحد الأسباب لذلك، أنه سيكون وسط موسم ماطر، وحتى في أفضل الظروف، لا يعد التوقيت رائعاً لعقد الانتخابات».

ويضيف أن مشكلات فنية كانت قبل الانقلاب العسكري، مثل لوائح التصويت، لم يجر التعامل معها بعد. وكثير من اللوائح دمرت خلال استيلاء الثوار على المدن في الشمال. واللاجئون والمهجرون في الداخل يشكلون حوالي 400 ألف نسمة، ويخشى البعض استبعادهم من العملية السياسية.

ومناطق واسعة من شمالي مالي تبقى غير آمنة، على الرغم من تحريرها. وفيما تستعد فرنسا للانسحاب، فإن الاتحاد الأوروبي بدأ لتوه في إعادة بناء الجيش المالي المدمر. والأمم المتحدة عليها الموافقة على قوة لحفظ السلام بعد، ويتساءل كثيرون عما إذا كان الشمال آمناً بما فيه الكفاية لإجراء الانتخابات. والإيمان بالحكومة متدنٍ إلى حد لم يصل إليه من قبل.

استبعاد سياسي

ويتسكع مئات الألوف من الماليين في مخيمات للاجئين في دول النيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا المجاورة. وبالنسبة إلى الذين بقوا فوق أراضيهم خلال القتال، فإن هناك شعوراً بالهجران في المدن الصحراوية، مثل غاو وبمبكتو لا يمكن التخلص منه، والجيش المالي مسيطر هناك اسمياً، لكن الدولة المالية بالكاد يوجد لها أثر.

يقول المؤرخ المختص بغرب أفريقيا من جامعة كولومبيا غريغوري مان، إنه من دون ترسيخ الأمن الذي يسمح بعودة اللاجئين، فإن هناك خطراً كبيراً من «انتزاع حق الاقتراع الكامل من كل الموجودين فوق حزام النيجر»، مشيراً إلى نهر النيجر، والذي يعتبر الفاصل بين الشمال والجنوب. وقلق آخر، هو أن انتخابات مبكرة سوف تعيد حالة الجمود، ويحن ماليون قلائل إلى الحكومة القديمة، حتى الذين عارضوا الانقلاب العسكري انطلاقاً من أسباب مبدئية.

تقول المختصة بشؤون مالي سوزانا وينغ من جامعة هافرفورد: «لا يمكننا تعليق أهمية كبيرة على أن الانتخابات ستولد حكومة شرعية، وأنا أفهم المطالبة الملحة بالانتخابات، وفكرة أنها ستساعد في تأسيس حكومة شرعية. لكن في سياق الأوضاع القائمة في مالي، توجد طبقة سياسية ينظر إليها على أنها غير شرعية، ووجودها يشكل جانباً من وصول مالي إلى هذا الوضع في المقام الأول».

وفي مدينة غاو الشمالية، حيث وقع التفجير الانتحاري الأخير، تتوفر الكهرباء لساعات قليلة في اليوم فقط. والكهرباء تأتي ليس مجاملة للدولة، بل لمانحي المساعدات في الخارج. ومع ارتفاع الحرارة إلى مئة درجة، و»الموسم الحار» على الأبواب، فإن سكان غاو مستاؤون بشكل متزايد من نقص السلع والخدمات.

في مارس، عندما ومضت الكهرباء لسبب غير مفهوم قبل ساعات من موعدها، مزح صديق من مالي قائلاً: «إنها حفلة!» وتدافع هو وأخوه لجلب شاحن هاتفهما الخليوي وشرعا في التشاحن على منفذ التيار الكهربائي الوحيد، قبل أن تنقطع الكهرباء مجدداً. وعلق قائلاً: «أترى، نحن نتقاتل حول الموارد!»، وهو يدرك جيداً أن مثل تلك المشكلات يمكنها إشعال الصراع بين أفراد المجتمع في مالي.

 

مشكلات تحل بالحوار

في شمالي مالي، يريد الشعب حكومة تقوم بوظائفها بشكل أفضل، لكن السؤال يتعلق بما إذا كانت الانتخابات المقرر عقدها في 7 يوليو المقبل تشكل الجواب على ذلك.

تقول مدرسة متقاعدة أوا تراوري، التي تعيش في شقة متواضعة في وسط باماكو: «نحتاج إلى حوار وطني، والسياسيون يمكنهم التأثير في الانتخابات والهيمنة عليها، لكنهم لا يمكنهم السيطرة على المحادثات»، في إشارة إلى الانتقال الديمقراطي لمالي في أوائل التسعينيات، عندما شهدت البلاد مشاركة الألوف من الناس، بما في ذلك طلاب ناشطون، وقادة نقابات عمالية، وشخصيات دينية، في حوار وطني واسع النطاق.

وتقول المختصة بشؤون مالي سوزانا وينغ من جامعة هافرفورد: «مؤتمر وطني يمكن أن يجلب جماعات من المجتمع المدني الذين يشكلون مجالاً واسعاً من المصالح إلى الفضاء نفسه، في محاولة لإجراء معالجة فعلية لبعض من المشكلات الحساسة في البلاد».

 

نجاحات معكوسة

ليس بمقدور الجيش المالي أو حلفائه في أفريقيا ضمان الأمن في شمالي مالي بعد، من دون الحصول على مساعدة. وحفنة من المعارك التي خيضت إلى الآن بين الجيش المالي والثوار، تظهر بوضوح أن القوة الجوية الفرنسية والدعم اللوجستي وحدهما لا يمكنهما أن يضمنا أمن المنطقة. وما زالت هناك حاجة إلى بعض الجنود الفرنسيين.

بالتالي، فيما تستعد فرنسا للانسحاب وإفساح المجال لقوة تقودها أفريقيا وتوافق عليها الأمم المتحدة، تتوضح حدود الحملة الفرنسية «عملية سرفال»، حيث تتعرض مدن كانت تعتبر آمنة لهجمات بشكل منظم، الأمر الذي يثير المخاوف من أن النجاحات الأولية يمكن عكسها بسهولة.

يقول رودي عطا الله، الذي خدم بصفة مدير مكافحة الإرهاب في أفريقيا بوزارة الدفاع الأميركية: «على أساس نسبة الضحايا من كل جانب، من الواضح أن أداء الفرنسيين كان جيداً». لكن عطا الله يشكك بوجهة النظر القائد الفرنسي بأنه جرى قصم ظهر تنظيم القاعدة في المنطقة.