في أول جولة له خارج البلاد، بوصفه الرئيس الصيني الجديد، زار شي جينبينغ روسيا ومن ثم تنزانيا، الدولتين اللتين تقيم الصين علاقات باردة جدا معهما في أفضل الأحوال. ومن موسكو أعلن شي: الصين وروسيا تجمعهما قواسم مشتركة كثيرة باعتبارهما الجارين الأكبر، في حين أن البلدين في الحقيقة يتبادلان المجاملات المصاغة بعناية، وهذا كل ما في الأمر.

رأي مخالف

وقال شي خلال وجوده في دار السلام بتنزانيا: افريقيا كلها صديقة الصين، بينما يقول العديد من الأفارقة إن وجهة نظرهم مخالفة. وأخيرا، كتب حاكم المصرف المركزي في نيجيريا لاميدو سانوسي في صحيفة "فايننشال تايمز" يقول: "تأخذ الصين سلعنا الأولية وتبيعنا سلعا مصنعة". ويضيف ساخرا "هذا هو جوهر الاستعمار".

وتسعى الصين جاهدة لتصبح قوة عالمية تحظى بالاحترام، وتتفوق في النهاية على الولايات المتحدة. وهذا اليوم يمكن تصور مجيئه، عندما يصبح اقتصادها، بل حتى جيشها، أكبر من أميركا. لكن مشكلة الصين الكبرى الآن، وهي مشكلة تنطوي معالجتها على صعوبة كبيرة، تكمن في "القوة الناعمة" للدولة. وعلى ما يبدو، فإن للصين أصدقاء فعليين قليلين جدا في العالم.

ولقد أبعد موقفها الهجومي الصارم حول الحقوق الإقليمية في بحر الصين الجنوبي كل الدول الآسيوية تقريبا خلال السنوات القليلة الماضية، وجميعها يطلب الآن المساعدة من الولايات المتحدة، بما في ذلك فيتنام.

و"الصديق" الإقليمي الوحيد للصين هي كمبوديا، الدولة التي اشترتها الصين عمليا بمساعدات قيمتها 8 مليارات دولار على مدى السنوات القليلة الماضية، مع وعود بمساعدات أخرى قيمتها 5 مليارات دولار. وكانت حصيلة ذلك أن توقف رئيس الوزراء الكمبودي هون صن عن السخرية من الصين علانية.

 وكانت بكين تعتبر بورما صديقتها، لكن الانتقال الجاري في بورما نحو الديمقراطية يعود في جانب كبير منه لعدم رغبة حكام بورما في الاعتماد على بكين. وكوريا الشمالية والصين ينتقدان إحداهما الأخرى بشكل روتيني، لكنهما لأسباب سياسية تبقيان غير قادرتين على الانفصال.

ويشير الخبراء الصينيون إلى حلفاء آخرين، هم: زيمبابوي وكوبا والسودان، وهذه كلها دول استبدادية وحشية مثل الصين. وكانت فنزويلا حليفا تحت حكم الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، لكن الآن بعد أن وافته المنية، فإن العلاقات المستقبلية في وضع مجهول. وسوريا أيضا كانت على علاقة ودية، لكن مستقبلها يبدو أقل وضوحا هي أيضا.

وتتملق الصين باكستان حيث يستمر التوتر في العلاقة بين أميركا وتلك الدولة. لكن على الأرجح أن تسير باكستان مع أي كان بإمكانه أن يقدم لها حزمة المساعدات الأكثر جاذبية. وكما قال السفير الباكستاني السابق إلى الولايات المتحدة حسين حقاني: "الصين ستمنحهم البنادق، لكنها لا يمكنها أن تمنحهم طائرات "إف-16".

وتلتمس الصين تحالفا مع صربيا، وتقف بجانبها في السجال الجاري حول استقلال كوسوفو، على الرغم من قيام المحكمة حول جرائم الحرب بإدانة اثنين من الصربيين البوسنيين الكبار لإدارتهما حملة قتل وتعذيب واضطهاد خلال الحرب البوسنية منذ 20 سنة.

الثقة المفقودة

ماذا عن باقي العالم؟ لماذا لا يوجد للصين إلا أصدقاء قليلون؟ ببساطة، تواجه الصين قضايا تتعلق بالثقة في أرجاء العالم.

فهل تحظى بالثقة حكومة تقول لشعبها لا تقلقوا، فإن المياه نظيفة، بعد العثور على اكثر من 16 ألف خنزير مريض ومتحلل في النهر الذي يمد شنغهاي ذات الـ 23 مليون نسمة بالمياه؟ وقد قال أحد المقيمين في شنغهاي لصحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية: "أشعر بالقلق حيال مياه الشرب، فرائحتها فعلا كريهة".

وماذا عن دولة يغش طلابها بشكل روتيني في طلبات الالتحاق بالجامعات الأجنبية، بحسب تقرير شركة استشارات جامعية "زينك تشاينا"، التي تفيد بأن: "الغش متفش في الصين والدافع وراءه وجود الأهالي المفرطين في حس التنافس والعملاء الشرسين، حيث تشير بحوثنا إلى أن 90% من رسائل التوصية زائفة، و70 % من المقالات لم تكتب من قبل مقدم الطلب، و50% من علامات السنوات الأخيرة في المدرسة مزورة".

فكم هي جديرة بالثقة دولة شبابها يأتون إلى أميركا، ويتسللون إلى القوة العاملة، ويسرقون الأسرار الصناعية ومن ثم ينقلونها إلى بلدهم؟ ولقد حكمت محكمة فيدرالية أميركية أخيرا على مواطن صيني بالسجن حوالي ست سنوات لتمريره ألوف الملفات من متعهد عسكري إلى بكين.

وإدانته كانت الأخيرة من مجموع 100 قضية مماثلة تتعلق بمتسللين صينيين في السنوات الأربع الماضية. وليست كل المشكلات كبيرة. فحسب مصادر متعددة أخيرا، تذمر صانع السيارات السويدية فولفو من أن بعضا من وكلائه الصينين ضخم أرقام المبيعات في سبيل التأهل لمكافآت نقدية، فيما في الواقع مبيعات فولفو كانت قد تراجعت.

النمط السائد

ويمكن رؤية النمط السائد. وقد أقر مسؤول صيني كبير أخيرا بأن حكومة بلاده تزور إحصاءاتها الاقتصادية الوطنية في معظم الأحيان، مثل الناتج المحلي الإجمالي والتضخم ومعدلات البطالة. واستنادا إلى برقية دبلوماسية أميركية مسربة، فقد أطلق عليها في إحدى المرات تسمية "إحصاءات من صنع اليد".

وأقر الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال حديثه في جامعة موسكو أخيرا، بأنه "ليس بإمكان دولة، أو تكتل دول، الهيمنة على شؤون العالم بمفردها مجددا". والهدف غير المعلن من هذا الكلام هو أميركا وأوروبا.

وأخذاً في الاعتبار السلوك الشائن المتكرر للصين، فإن هذه الدولة لن تهمين على الشؤون الدولية في أي وقت قريب أيضا.

 

المشكلة

تسعى الصين جاهدة لتصبح قوة عالمية تحظى بالاحترام، ودولة تتفوق في النهاية على أميركا. وهذا اليوم يمكن تصور مجيئه، عندما يصبح اقتصادها، بل جيشها، أكبر من أميركا. لكن مشكلة الصين الكبرى الآن، وهي مشكلة تنطوي معالجتها على صعوبة كبيرة، تكمن في "القوة الناعمة" للدولة.

وعلى ما يبدو، فإن للصين أصدقاء فعليين قليلين جدا في العالم. ولقد أبعد موقفها الهجومي الصارم حول الحقوق الإقليمية في بحر الصين الجنوبي خلال السنوات القليلة الماضية كافةالدول الآسيوية تقريبا.